عن مشروع شَفّافية (Shaffafiya)
نعيش اليوم في عصر تحولات متسارعة، حيث يؤثر التدفق المتزايد للمعلومات، وتصاعد التوترات، وتكرار الأزمات، وتعدد السرديات المتنافسة، بشكل مباشر في كيفية إدراكنا للواقع. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التمييز بين المعرفة والتلاعب، وبين الرأي والدعاية، وبين المصالح المحلية ولعبة القوى العالمية، أمرًا متزايد الصعوبة. ومن هنا نشأ مشروع شَفّافية (Shaffafiya) استجابةً لهذا التحدي.
شَفّافية هي منصة تحليلية وإعلامية مستقلة، وُجدت من أجل القرّاء الواعين الذين لا يبحثون عن إجابات جاهزة، بل عن فهم أعمق للعمليات التي تشكّل العالم المعاصر، ولا سيما في دول الجنوب العالمي وفي الفضاء الإعلامي الناطق باللغة العربية. نحن لا نفرض تفسيرات، ولسنا تابعين لأي حزب سياسي أو مؤسسة حكومية أو منظومة إعلامية ترعاها الدول. ويتمثل طموحنا الأساسي في تعزيز المرونة المعرفية، أي القدرة على التقييم المستقل للرسائل، والنوايا، والمصادر، والسرديات.
تركّز المنصة على تحليل التضليل الإعلامي، وتقنيات الدعاية، وعمليات التأثير الخارجي، واستراتيجيات القوة الناعمة، إضافة إلى التأثيرات الاجتماعية للتكنولوجيا. كما ندرس الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية المحلية، مع وضعها دائمًا في سياقها الإقليمي والدولي الأوسع. ويتبنى مشروع شَفّافية عن قصد منظورًا منبثقًا من الجنوب العالمي، بدلًا من تفسير هذه المناطق حصريًا من خلال أطر تحليلية غربية.
ولا تُعد شَفّافية وسيلة إعلامية إخبارية تقليدية. فهي تعمل بوصفها فضاءً تحليليًا تُستخدم فيه المواد المنشورة، بما في ذلك خلاصات RSS المجمّعة، لأغراض بحثية ومقارنة وتعليمية. ولا يعني وجود محتوى مأخوذ من وسائل إعلام خارجية المصادقة على سردياته أو الترويج لها، بل يُستخدم باعتباره مادة مرجعية لتحليل كيفية صياغة المعلومات ووضعها في سياقها وتوظيفها في بيئات سياسية وإعلامية مختلفة.
تعتمد المنصة على مجموعة مختارة من وسائل الإعلام العربية الإقليمية والدولية التي لا ترتبط بنيويًا بالدعاية الروسية الرسمية أو بمنظومة التضليل التابعة للكرملين. ويعمل بعض هذه المصادر ضمن أطر سياسية أو رسمية محددة، وهو ما يتم الإفصاح عنه بوضوح وأخذه في الاعتبار ضمن العملية التحليلية. وتخضع جميع المواد للتحقق السياقي والمقارن، مع الحفاظ الصارم على الفصل بين الخبر والرأي والبناء السردي.
كما تعمل شَفّافية بوصفها شبكة مفتوحة من الباحثين والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني ومراكز الفكر من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافة إلى أوروبا. ونحن نؤمن بأن بناء مرونة معلوماتية مستدامة لا يتحقق إلا من خلال التعاون، والشفافية المنهجية، واحترام التنوع الثقافي والسياسي. وهدفنا ليس التنافس بين السرديات، بل السعي المشترك إلى فهم أعمق في عالم مشبع بالمعلومات.
وتُدعَم أنشطة المنصة من قبل مجلس شَفّافية، وهو هيئة استشارية دولية تضم خبراء من الدول العربية وبولندا ودول أوروبية أخرى. ويضطلع المجلس بتوجيه مسارات التطوير، ودعم إنتاج المحتوى، وتعزيز الشراكات، مع الحفاظ على استقلالية المشروع وانفتاحه ونزاهته التحليلية.
إن شَفّافية أكثر من مجرد منصة إعلامية؛ فهي أداة لبناء الفهم، وتعزيز المرونة، ومدّ الجسور بين الثقافات. وندعو كل من يشاركنا هذه القيم إلى المساهمة، والمشاركة في النقاش، والانخراط في جهد جماعي لفهم بيئة معلوماتية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.