![في الخطاب الرسمي، تقدم روسيا نفسها اليوم كشريك طبيعي لدول الجنوب العالمي، وكمدافع عن نظام دولي متعدد الأقطاب في مواجهة ما تسميه “الهيمنة الغربية”. هذا الخطاب يبدو مألوفاً في العالم العربي، لأنه يلامس ذاكرة سياسية عميقة تعود إلى مؤتمر باندونغ عام 1955، عندما حاولت دول ما بعد الاستعمار، ومن بينها مصر بقيادة جمال عبد الناصر، رسم طريق مستقل بعيداً عن الصراع بين القوى الكبرى.
في ذلك الوقت، لم يكن الهدف الانحياز، بل العكس تماماً. كما تشير تحليلات منشورة في Explaining History، فإن قادة باندونغ أعلنوا رفضهم “للاستعمار بجميع أشكاله”، سواء كان غربياً أو سوفياتياً. كانت الفكرة الأساسية واضحة: الاستقلال الحقيقي يعني عدم التحول إلى أداة في صراع الآخرين.
اليوم، تعود روسيا لاستخدام نفس اللغة، لكنها تعمل وفق منطق مختلف
من الشراكة إلى الاستغلال
الوقائع على الأرض تكشف صورة أخرى. في العراق، على سبيل المثال، كشفت التحقيقات الأمنية عن شبكات تجنيد تستهدف الشباب. وكما ذكر موقع The New Arab، كان يتم استدراجهم عبر عروض عمل أو دراسة، لتتحول هذه الوعود لاحقاً إلى “عقود خدمة عسكرية” بعد وصولهم إلى روسيا. المشكلة لم تكن فقط في الخداع، بل في طبيعة العملية نفسها، حيث يُطلب من الأشخاص توقيع وثائق بلغة لا يفهمونها وتحت ضغط مباشر.
مصادر أخرى تؤكد أن هذه ليست حالات فردية. صحيفة The National تشير إلى أن الشباب كانوا يُستدرجون عبر “قنوات تبدو قانونية مثل مكاتب السفر أو وكالات التوظيف”، ثم يجدون أنفسهم مرتبطين بعقود لا يمكنهم الخروج منها. وتضيف الصحيفة أن “نحو 3000 عراقي انتهى بهم الأمر في الجيش الروسي”.
ما يحدث هنا ليس تعاوناً بين دول، بل استغلال لفجوة اقتصادية ومعلوماتية.
كوبا وأفريقيا: نفس النمط بأدوات مختلفة
في كوبا، يتخذ الأمر شكلاً مختلفاً لكنه يعتمد على نفس المنطق. وفق تحليل Friedrich Naumann Foundation، يتم عرض رواتب “تصل إلى 2000 دولار شهرياً، مقابل متوسط دخل محلي لا يتجاوز 17 دولاراً”، إضافة إلى وعود بالحصول على عقارات أو الجنسية. في هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالاختيار الحر بقدر ما يتعلق بالضغط الاقتصادي.
في أفريقيا، الصورة أكثر تشتتاً لكنها لا تختلف في جوهرها. شبكة Al Jazeera نقلت، نقلاً عن مصادر أوكرانية، أن “أكثر من 1780 مواطناً أفريقياً يقاتلون حالياً في الجيش الروسي”، مع وجود عمليات تجنيد تمتد إلى عشرات الدول. وتشير المصادر نفسها إلى أن العديد منهم تم استدراجهم عبر “سوق عمل غير رسمي […] دون تدريب كافٍ”، وغالباً تحت غطاء وظائف مدنية.
أما على مستوى التجربة الفردية، فالصورة أكثر وضوحاً. في تقرير لوكالة Reuters، يذكر أن بعض هؤلاء الأشخاص تم إرسالهم “مباشرة إلى حفر الخنادق والقتال في الخطوط الأمامية”، دون إعداد كافٍ أو حماية حقيقية.
ليس فقط قتالاً، بل أيضاً رسالة سياسية
هذا الاستخدام لا يقتصر على الجانب العسكري. وجود مقاتلين من دول الجنوب العالمي يتم توظيفه أيضاً في المعركة الإعلامية. موقع The New Voice of Ukraine ينقل عن الاستخبارات الأوكرانية أن الهدف هو بناء رواية تقول إن “روسيا ليست دولة معتدية، لأن ‘العالم المتحضر’ يدعمها أيضاً”.
بمعنى آخر، يتم استخدام هؤلاء الأشخاص ليس فقط كجنود، بل كدليل دعائي.
أين اختفت فكرة باندونغ؟
هنا يظهر التناقض الأساسي. الفكرة التي انطلقت من باندونغ كانت تقوم على الاستقلال وعدم الانجرار إلى صراعات القوى الكبرى. لكن ما يحدث اليوم يعيد إنتاج نمط قديم.
الاتحاد السوفياتي استخدم في الماضي خطاب دعم حركات التحرر، لكنه سعى في الوقت نفسه إلى توسيع نفوذه. روسيا اليوم تستخدم خطاباً مشابهاً، مع اختلاف الأدوات. بدلاً من الأيديولوجيا الصريحة، تعتمد على الحوافز الاقتصادية، الشبكات المحلية، والتأثير الإعلامي.
النتيجة واحدة. دول الجنوب العالمي لا تُعامل كشركاء متكافئين، بل كبيئة يمكن منها استخراج الموارد، بما في ذلك المورد البشري.
السؤال الحقيقي
المشكلة لا تكمن في الخطاب، بل في ما يحدث فعلياً على الأرض. إذا كان التعاون يعني أن يُنقل شباب من بغداد أو هافانا أو مدن أفريقية إلى جبهات قتال لا تخصهم، فهل هذا دعم للاستقلال أم إعادة إنتاج لنمط جديد من التبعية؟
التمييز بين ما يُقال وما يُفعل هو النقطة الحاسمة. لأن الخطاب قد يتحدث عن مقاومة الاستعمار، لكن الممارسة قد تعيد إنتاجه بشكل مختلف.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة. تحت شعار مواجهة “الإمبريالية الغربية”، يتم استخدام أدوات تحمل نفس المنطق، وإن اختلفت الشعارات.](https://shaffafiya.com/wp-content/uploads/2026/04/Human-resources-1024x585.png)
في الخطاب الرسمي، تقدم روسيا نفسها اليوم كشريك طبيعي لدول الجنوب العالمي، وكمدافع عن نظام دولي متعدد الأقطاب في مواجهة ما تسميه “الهيمنة الغربية”. هذا الخطاب يبدو مألوفاً في العالم العربي، لأنه يلامس ذاكرة سياسية عميقة تعود إلى مؤتمر باندونغ عام 1955، عندما حاولت دول ما بعد الاستعمار، ومن بينها مصر بقيادة جمال عبد الناصر، رسم طريق مستقل بعيداً عن الصراع بين القوى الكبرى.
في ذلك الوقت، لم يكن الهدف الانحياز، بل العكس تماماً. كما تشير تحليلات منشورة في Explaining History، فإن قادة باندونغ أعلنوا رفضهم “للاستعمار بجميع أشكاله”، سواء كان غربياً أو سوفياتياً. كانت الفكرة الأساسية واضحة: الاستقلال الحقيقي يعني عدم التحول إلى أداة في صراع الآخرين.
اليوم، تعود روسيا لاستخدام نفس اللغة، لكنها تعمل وفق منطق مختلف
من الشراكة إلى الاستغلال
الوقائع على الأرض تكشف صورة أخرى. في العراق، على سبيل المثال، كشفت التحقيقات الأمنية عن شبكات تجنيد تستهدف الشباب. وكما ذكر موقع The New Arab، كان يتم استدراجهم عبر عروض عمل أو دراسة، لتتحول هذه الوعود لاحقاً إلى “عقود خدمة عسكرية” بعد وصولهم إلى روسيا. المشكلة لم تكن فقط في الخداع، بل في طبيعة العملية نفسها، حيث يُطلب من الأشخاص توقيع وثائق بلغة لا يفهمونها وتحت ضغط مباشر.
مصادر أخرى تؤكد أن هذه ليست حالات فردية. صحيفة The National تشير إلى أن الشباب كانوا يُستدرجون عبر “قنوات تبدو قانونية مثل مكاتب السفر أو وكالات التوظيف”، ثم يجدون أنفسهم مرتبطين بعقود لا يمكنهم الخروج منها. وتضيف الصحيفة أن “نحو 3000 عراقي انتهى بهم الأمر في الجيش الروسي”.
ما يحدث هنا ليس تعاوناً بين دول، بل استغلال لفجوة اقتصادية ومعلوماتية.
كوبا وأفريقيا: نفس النمط بأدوات مختلفة
في كوبا، يتخذ الأمر شكلاً مختلفاً لكنه يعتمد على نفس المنطق. وفق تحليل Friedrich Naumann Foundation، يتم عرض رواتب “تصل إلى 2000 دولار شهرياً، مقابل متوسط دخل محلي لا يتجاوز 17 دولاراً”، إضافة إلى وعود بالحصول على عقارات أو الجنسية. في هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالاختيار الحر بقدر ما يتعلق بالضغط الاقتصادي.
في أفريقيا، الصورة أكثر تشتتاً لكنها لا تختلف في جوهرها. شبكة Al Jazeera نقلت، نقلاً عن مصادر أوكرانية، أن “أكثر من 1780 مواطناً أفريقياً يقاتلون حالياً في الجيش الروسي”، مع وجود عمليات تجنيد تمتد إلى عشرات الدول. وتشير المصادر نفسها إلى أن العديد منهم تم استدراجهم عبر “سوق عمل غير رسمي […] دون تدريب كافٍ”، وغالباً تحت غطاء وظائف مدنية.
أما على مستوى التجربة الفردية، فالصورة أكثر وضوحاً. في تقرير لوكالة Reuters، يذكر أن بعض هؤلاء الأشخاص تم إرسالهم “مباشرة إلى حفر الخنادق والقتال في الخطوط الأمامية”، دون إعداد كافٍ أو حماية حقيقية.
ليس فقط قتالاً، بل أيضاً رسالة سياسية
هذا الاستخدام لا يقتصر على الجانب العسكري. وجود مقاتلين من دول الجنوب العالمي يتم توظيفه أيضاً في المعركة الإعلامية. موقع The New Voice of Ukraine ينقل عن الاستخبارات الأوكرانية أن الهدف هو بناء رواية تقول إن “روسيا ليست دولة معتدية، لأن ‘العالم المتحضر’ يدعمها أيضاً”.
بمعنى آخر، يتم استخدام هؤلاء الأشخاص ليس فقط كجنود، بل كدليل دعائي.
أين اختفت فكرة باندونغ؟
هنا يظهر التناقض الأساسي. الفكرة التي انطلقت من باندونغ كانت تقوم على الاستقلال وعدم الانجرار إلى صراعات القوى الكبرى. لكن ما يحدث اليوم يعيد إنتاج نمط قديم.
الاتحاد السوفياتي استخدم في الماضي خطاب دعم حركات التحرر، لكنه سعى في الوقت نفسه إلى توسيع نفوذه. روسيا اليوم تستخدم خطاباً مشابهاً، مع اختلاف الأدوات. بدلاً من الأيديولوجيا الصريحة، تعتمد على الحوافز الاقتصادية، الشبكات المحلية، والتأثير الإعلامي.
النتيجة واحدة. دول الجنوب العالمي لا تُعامل كشركاء متكافئين، بل كبيئة يمكن منها استخراج الموارد، بما في ذلك المورد البشري.
السؤال الحقيقي
المشكلة لا تكمن في الخطاب، بل في ما يحدث فعلياً على الأرض. إذا كان التعاون يعني أن يُنقل شباب من بغداد أو هافانا أو مدن أفريقية إلى جبهات قتال لا تخصهم، فهل هذا دعم للاستقلال أم إعادة إنتاج لنمط جديد من التبعية؟
التمييز بين ما يُقال وما يُفعل هو النقطة الحاسمة. لأن الخطاب قد يتحدث عن مقاومة الاستعمار، لكن الممارسة قد تعيد إنتاجه بشكل مختلف.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة. تحت شعار مواجهة “الإمبريالية الغربية”، يتم استخدام أدوات تحمل نفس المنطق، وإن اختلفت الشعارات.
![In official discourse, Russia today presents itself as a natural partner of the Global South and as a defender of a multipolar world order in opposition to what it describes as Western dominance. This narrative resonates strongly in the Arab world, as it echoes a deep political memory that goes back to the Bandung Conference of 1955, when post-colonial states, including Egypt under Gamal Abdel Nasser, sought to chart an independent path beyond the rivalry of great powers. At that time, the goal was not alignment, but precisely the opposite. As analyses published by Explaining History note, Bandung leaders declared their rejection of “colonialism in all its forms”, whether Western or Soviet. The central idea was clear: true independence meant not becoming a tool in someone else’s conflict. Today, Russia invokes the same language, but operates according to a different logic. From Partnership to Exploitation Facts on the ground reveal a different picture. In Iraq, for example, security investigations uncovered recruitment networks targeting young people. As reported by The New Arab, they were lured by offers of work or study, which later “turned into military service contracts” after arrival in Russia. The issue was not only deception, but also the structure of the process itself, where individuals were pressured to sign documents in a language they did not understand. Other sources confirm that these were not isolated cases. The National reports that young people were recruited through “seemingly legal channels such as travel agencies or employment offices”, only to find themselves bound by contracts they could not escape. The same source adds that “around 3,000 Iraqis ended up in the Russian army”. What is happening here is not cooperation between states, but the exploitation of economic and informational asymmetries. Cuba and Africa: The Same Pattern, Different Tools In Cuba, the mechanism takes a different form but follows the same logic. According to an analysis by the Friedrich Naumann Foundation, recruits were offered salaries “of up to 2,000 USD per month, compared to an average Cuban income of around 17 USD”, along with promises of property and citizenship. In such conditions, the issue is less about free choice and more about economic pressure. In Africa, the picture is more fragmented, but the underlying logic remains similar. Al Jazeera reported, citing Ukrainian sources, that “more than 1,780 African nationals are currently fighting in the Russian army”, with recruitment spanning dozens of countries. The same sources indicate that many were drawn in through “black market labor […] without proper training”, often under the pretext of civilian employment. At the individual level, the situation becomes even clearer. A Reuters report states that some recruits were sent “directly to dig trenches and engage in frontline operations”, often without adequate preparation or logistical support. Not Only War, but Also Messaging This process is not limited to military use. The presence of foreign fighters is also instrumentalized in the information domain. According to The New Voice of Ukraine, citing Ukrainian intelligence, the aim is to build a narrative that “Russia is not an aggressor because it is also supported by the ‘civilized world’”. In other words, these individuals serve not only as soldiers, but also as elements of a broader propaganda strategy. What Happened to the Spirit of Bandung? This is where the central contradiction becomes visible. The idea behind Bandung was based on independence and the refusal to be drawn into great power conflicts. What we observe today, however, reflects a different dynamic. The Soviet Union once used the rhetoric of supporting liberation movements, while simultaneously expanding its sphere of influence. Contemporary Russia employs a similar pattern. Instead of overt ideological framing, it relies more on economic incentives, intermediary networks, and information influence. The outcome, however, remains comparable. Countries of the Global South are not treated as equal partners, but as environments from which resources can be extracted, including human resources. The Real Question The issue is not what is being said, but what is actually happening on the ground. If “cooperation” means that young people from Baghdad, Havana, or African cities are sent to fight in wars that are not theirs, then the question must be asked: is this support for independence, or a new form of dependency? The key analytical distinction lies between rhetoric and practice. Official language may speak of resisting imperialism, but operational reality may reproduce it in a different form. This is where the paradox becomes evident. Under the banner of opposing “Western imperialism”, mechanisms are being deployed that follow a similar logic, even if they are framed differently.](https://shaffafiya.com/wp-content/uploads/2026/04/Human-resources.png)


