Skip to main content

في المشهد الإعلامي الأردني، لا تُقدَّم الحرب في إيران على أنها مجرد حدث خارجي بعيد. بل تتحول إلى إطار يُفسَّر من خلاله الأمن والاستقرار والاقتصاد داخل الدولة. هذا لا يحدث بشكل عفوي، بل نتيجة تفاعل بين طبيعة النظام الإعلامي المحلي ومحاولات التأثير من قبل أطراف خارجية.

هذه الأطراف لا تسعى إلى فرض رواية واحدة بشكل مباشر، بل تعمل على تشكيل الطريقة التي يفهم بها الجمهور الواقع، ومن يثق به، وكيف يفسّر ما يجري حوله.

البيئة الإعلامية كمساحة للتأثير

تعمل وسائل الإعلام في الأردن ضمن توازن خاص. من جهة، هناك مصادر رسمية وإعلام رئيسي يركز على الاستقرار والانضباط المعلوماتي. ومن جهة أخرى، توجد منصات إخبارية سريعة ووسائل تواصل اجتماعي تعزز سرعة انتشار الأخبار وتكثف التفاعل العاطفي معها.

الجهات الخارجية لا تحاول استبدال هذه المنظومة، بل تستفيد منها. فهي تدخل في هذا النظام وتستخدم إيقاعه الطبيعي. الرسائل الرسمية تُعزَّز بمحتوى عاطفي، والمعلومات السريعة تنتشر بسهولة عبر إعادة النشر والاقتباس، أحياناً دون سياق كامل.

وبذلك، يشعر المتلقي أنه أمام تعدد في المصادر، بينما في الواقع يتحرك ضمن مساحة محدودة من التفسيرات.

النموذج الروسي في التأثير الإعلامي

لا تعتمد روسيا في المنطقة على خطاب دعائي مباشر، بل على نموذج متعدد المستويات.

على المستوى الرسمي، تستخدم لغة القانون الدولي والسيادة والاستقرار، وتطرح نفسها كطرف يدعو إلى الحلول الدبلوماسية ويفهم خصوصية المنطقة.

على المستوى الإعلامي، من خلال منصات مثل RT Arabic وSputnik Arabic، يتم تعزيز هذه الرسائل بطريقة أكثر عاطفية. يتم التركيز على الانقسامات داخل الغرب، وعلى حالة عدم اليقين في قراراته، وعلى التكاليف التي قد تتحملها دول المنطقة.

أما على مستوى وكالات الأنباء، فتظهر رسائل ذات قابلية عالية للانتشار، بعضها قد يحتوي على معلومات غير مؤكدة أو يصعب التحقق منها، ما يزيد من مستوى الضبابية.

بهذا الشكل، لا تُبنى رواية واحدة، بل يُنشأ بيئة كاملة توجه المتلقي نحو استنتاجات معينة.

ما هي الأهداف الحقيقية

الهدف ليس إقناع الأردن أو المنطقة بالانحياز إلى طرف معين بشكل مباشر. بل هناك أهداف أعمق وأكثر استمرارية.

أولاً، ترسيخ فكرة أن هذا الصراع هو “حرب الآخرين” وأن تكاليفه تقع على عاتق دول المنطقة. هذا يعزز الميل إلى الحذر وتجنب الانخراط.

ثانياً، إضعاف الثقة بالغرب كطرف موحد وقادر على اتخاذ قرارات واضحة، من خلال إبراز التباينات بين مواقفه.

ثالثاً، تقديم روسيا كبديل دبلوماسي قادر على فهم واقع المنطقة والتعامل معه بمرونة.

رابعاً، تحويل النقاش نحو البعد الاقتصادي، خاصة الطاقة والتجارة، بحيث يصبح الصراع مرتبطاً مباشرة بحياة الناس اليومية.

لماذا تجد هذه الرسائل صدى

نجاح هذه الرسائل لا يعود فقط إلى قوتها، بل إلى توافقها مع حساسيات موجودة أصلاً في المجتمع.

في الأردن، تُعد قضايا الاستقرار الداخلي، والأمن الاقتصادي، وتجنب الانخراط في صراعات خارجية، من أولويات التفكير العام. لذلك، عندما تُقدَّم الرسائل ضمن هذه الأطر، فإنها تبدو منطقية وقريبة من الواقع.

كما أن تكرار نفس الأفكار عبر مصادر مختلفة يمنحها قوة إضافية، حتى لو كانت هذه المصادر مرتبطة ببعضها بشكل غير مباشر.

كيف يمكن التعامل مع هذه الظاهرة

الخطوة الأولى هي التمييز بين الخبر والتفسير. ليس كل ما يُقدَّم على أنه تحليل يعكس الواقع بشكل محايد، بل قد يكون موجهاً نحو استنتاج معين.

الخطوة الثانية هي التحقق من المصدر. انتشار نفس المعلومة في عدة أماكن لا يعني تعدد مصادرها، بل قد تكون منقولة عن جهة واحدة.

الخطوة الثالثة هي الحذر من الرسائل التي تعتمد على إثارة الخوف أو الغضب أو الشعور بالإلحاح، لأنها غالباً ما تكون مصممة للانتشار السريع.

الخطوة الرابعة هي الحفاظ على الثقة بالمصادر الموثوقة، مع الاستمرار في التفكير النقدي وعدم قبول أي رواية بشكل كامل دون تمحيص.

خلاصة

البيئة الإعلامية في الأردن ليست ساحة محايدة، بل مساحة تتقاطع فيها روايات متعددة. الجهات الخارجية، ومن بينها روسيا، لا تعمل من خارج هذا النظام، بل من داخله، مستفيدة من آلياته وطبيعته.

فهم هذه الديناميكيات لا يعني رفض كل ما يأتي من الخارج، بل إدراك أن المعلومات قد تكون أداة تأثير بقدر ما هي وسيلة نقل للواقع.


“صوت غربي” في خدمة الدعاية الروسية: حالة وارن ثورنتون في الفضاء الإعلامي العربيأخبارالمقابلاتتعليمتكنولوجياثقافةحمايةسياسة

“صوت غربي” في خدمة الدعاية الروسية: حالة وارن ثورنتون في الفضاء الإعلامي العربي

ShaffafiyaShaffafiya2025-12-15
التضليل الإعلامي حول تدخل الناتو في بيلاروسيا و”دفاع روسيا عن أوكرانيا ضد بولندا” – عناصر من استراتيجية دعائية متكاملة لروسياأخبار

التضليل الإعلامي حول تدخل الناتو في بيلاروسيا و”دفاع روسيا عن أوكرانيا ضد بولندا” – عناصر من استراتيجية دعائية متكاملة لروسيا

ShaffafiyaShaffafiya2025-11-06
Inflating the Role: From a Maritime Passage to a Tool in Information Conflict Bab el-Mandab has long remained one of the most important points in global trade routes. However, in recent times, its role has been presented in a clearly exaggerated manner, as evidence of the fragility of the global economic system. This shift in the way reality is portrayed cannot be separated from the growing activity in the field of information operations targeting the region. Reframing Risk: A Designed, Not Spontaneous Narrative In these materials, the issue is not limited to reporting risks related to maritime security. Rather, these risks are being used to construct a broader narrative about the collapse of the global system. This pattern aligns with well-established lines of messaging in Russian media campaigns, which for years have sought to portray globalization as a weak and unsustainable system. The mechanism here is clear: the use of real facts, but linking them to pre-determined conclusions. In this way, analysis is transformed into a tool of influence. Shifting the Evaluation Framework: From Stability to the Logic of Power In the Red Sea context, attacks and disruptions are not presented as threats to stability, but as evidence of the effectiveness of certain actors. This shift serves a broader narrative promoted by media outlets linked to Russia, where power and the ability to disrupt are presented as alternatives to concepts such as stability and cooperation. The result is a redefinition of what is considered “success” in the eyes of the audience. Undermining Trust: Targeting the Image of the West A central element of this discourse is the portrayal of the United States and its allies as actors incapable of controlling the situation. This pattern is systematically repeated across media platforms linked to Russia and aims to weaken trust in existing security structures, particularly in regions that Moscow considers areas of strategic competition. Language of Crisis: A Tool of Psychological Influence The language used in these materials suggests that the crisis is inevitable and that the global system is approaching its end. This approach is not incidental, but part of psychological influence techniques that rely on amplifying risk to generate a sense of uncertainty. At the same time, key factors such as the ability of markets to adapt or the existence of logistical alternatives are ignored, resulting in an incomplete picture of reality. How the Operation Works: Between Analysis and Direction The strength of this narrative lies in the fact that it does not appear as direct propaganda. Instead, it is presented as a logical, data-driven analysis. This method is widely used in Russian information operations, as it allows influence over both elites and the broader public without triggering direct resistance. The audience does not feel that it is being guided, yet in reality it is operating within a framework that has been pre-defined. Conclusion: Bab el-Mandab as a Tool of Influence, Not Proof of Collapse Bab el-Mandab is not the cause of the weakness of the global system, but it has become a tool used in information conflict to portray that system as collapsing. Understanding this distinction is essential, because the risk lies not only in events on the ground, but in the way they are interpreted and presented.
باب المندب كساحة للعمليات الروسية للتأثير: كيف تُبنى سردية “انهيار العولمة”إيرانحماية

باب المندب كساحة للعمليات الروسية للتأثير: كيف تُبنى سردية “انهيار العولمة”

ShaffafiyaShaffafiya2026-04-08