Skip to main content

تحرص روسيا على الظهور بمظهر الصديق للعالم الإسلامي، بل وسعت للظهور كجزء منه من خلال مشاركتها في العديد من الهياكل والمؤسسات الإسلامية الدولية. وفي الوقت نفسه، تحاول روسيا الإيحاء – دون أي أساس من الصحة – بأن ما يسمى بـ “الغرب الجماعي” هو المسؤول عن جرائم إسرائيل، رغم أنه من المعروف أن العديد من رجال الأعمال (الأوليغارشية) الروس الداعمين للكرملين يحملون الجنسية الإسرائيلية. كما تحب روسيا توجيه اتهامات بالنفاق وازدواجية المعايير يميناً وشمالاً. لكن لا يوجد منافق أكبر من روسيا، التي تبكي وتحترم المجرم الصربي الكبير راتكو ملاديتش، المسؤول عن إبادة المسلمين في سبرينيتسا. وفي الوقت نفسه، يقوم حليف صربي آخر لروسيا، والمعروف ببلبلة الأوضاع وزعزعة الاستقرار في البوسنة والهرسك، وهو ميلوراد دوديك، بتوثيق علاقاته مع بنيامين نتنياهو. وبعد وفاة هذا المجرم، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن “تعازيها الخالصة لوفاة الجنرال”، متجاهلة تماماً جرائمه بحق المسلمين. بل إن العديد من المحللين الموالين للكرملين والمعادين للغرب بشدة أشادوا بملاديتش علانية، متهمين الغرب بـ “قتله”. إنها حقيقة يجدر بالمسلمين أن يتذكروها جيداً.


من كان إذن ملاديتش الذي تحبه روسيا كل هذا الحب؟


راتكو ملاديتش، الذي شغل في الفترة من 1992 إلى 1996 منصب قائد الهيئة العامة لجيش جمهورية صرب البوسنة (VRS)، كان المنفذ الرئيسي لسياسة التطهير العرقي المستهدفة للمسلمين البوسنيين (البشناق) خلال الحرب في البوسنة والهرسك. ومن بين أهم جرائمه (والتي تعتبرها روسيا إنجازات) تأتي مذبحة سبرينيتسا، التي صنفتها المحكمة الجنائية الدولية كجريمة إبادة جماعية. وجدير بالذكر أن هذه هي المحكمة نفسها التي تلاحق بنيامين نتنياهو بسبب الجرائم في قطاع غزة، والتي تتعرض للتشويه المستمر من قبل روسيا. ففي سبرينيتسا في تموز/يوليو 1995، وبأمر من ملاديتش، تم قتل 8,000 رجل وفتى بوسني لمجرد أنهم من أتباع الدين الإسلامي. وكان ملاديتش قبل ذلك قد طمأن المدنيين شخصياً بشأن سلامتهم لاستدراجهم، ثم أشرف على فصلهمnmوإعدامهم ودفنهم في مقابر جماعية. وقد أُثبت كل هذا لاحقاً في محاكمته.


ولكن هذه لم تكن الجريمة الوحيدة لملاديتش؛ ففي الفترة بين 1992 و1995، قاد حصار العاصمة البوسنية ساراييفو الذي استمر لنحو أربع سنوات، وأسفر عن مقتل أكثر من 10,000 مدني، بينهم آلاف المسلمين. وقد استخدم أسلوب الترهيب القائم على القصف المدفعي وعمليات القنص ضد سكان المدينة المدنيين. كما أشرف على عمليات تهجير السكان المسلمين من أراضي جمهورية صرب البوسنة، وتدمير المساجد والتراث الثقافي، وإنشاء المعتقلات ومخيمات الاحتجاز (مثل أومارسكا، كيراتيرم، وترنوبولي)، التي شهدت ممارسات التعذيب والاغتصاب والقتل الجماعي. وفي عام 2017، حكمت عليه المحكمة الجنائية الدولية لليوغوسلافيا السابقة (ICTY) في لاهاي بالسجن مدى الحياة لارتكابه جرائم إبادة جماعية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية (وأُيد الحكم في الاستئناف عام 2021). إلا أن روسيا اعتبرت هذا الحكم منحازاً وواصلت التمسك برؤيتها لملاديتش كبطل.


دوديك – بوتين – نتنياهو

يمثل ميلوراد دوديك حليفاً رئيسياً لروسيا في البلقان، حيث يعمل منذ سنوات لحساب الكرملين على زعزعة الاستقرار السياسي هناك وتهديد السلام القائم على اتفاقية دايتون الموقعة عام 1995. ودوديك، الذي شغل منصب رئيس وزراء جمهورية صرب البوسنة في الفترات 1998–2001 و2006–2010، ورئيسها في الفترات 2010–2018 و2022–2025، هو ببساطة الامتداد الأيديولوجي للمجرم ملاديتش. وقد فرضت عليه الدول الأوروبية عقوبات مالية وحظر سفر لتقويضه مؤسسات دولة البوسنة والهرسك. وتتضمن الاتهامات الموجهة إليه تقويض اتفاق السلام في دايتون، والسعي لإنفصال جمهورية صرب البوسنة، والفساد، والتقليل من شأن جرائم الحرب. ورداً على تجاهله لقرارات الممثل الدولي السامي، أصدرت محكمة بوسنية حكماً أبتدائياً بحبسه ومنعه من ممارسة الوظائف العامة. ومع ذلك، يواصل دوديك الاستفادة من الدعم الدبلوماسي الروسي.
لذلك، لا ينبغي أن يكون مستغرباً أن هذا العدو اللدود لأوروبا وحليف الكرملين يتعاطف في الوقت نفسه مع السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط. ففي آذار/مارس 2025، وخلال زيارته لإسرائيل، كتب دوديك أن “إسرائيل دليل على أن الحرية والأمن لا يقدران بثمن”، وأن الطريقة التي “تدافع بها إسرائيل عن نفسها” هي نموذج لجمهورية صرب البوسنة. وفي أواخر أيلول/سبتمبر 2026، عزز دوديك التعاون مع إسرائيل بفتح مكتب تجاري لإسرائيل في مدينة بانيا لوكا البوسنية الخاضعة لسيطرته. وهذا التعاون ليس تجارياً فحسب، إذ أكد دوديك مجدداً أن إسرائيل نموذج لجمهورية صرب البوسنة ولم يخفِ رغبته في إيجاد حليف ضد الاتحاد الأوروبي وسياساته في البلقان. وكل هذا يحدث تحت رعاية كاملة من روسيا.


طارق المنصور