
في الحالة الأرمينية، النقطة الأساسية ليست مجرد خلاف قانوني، بل تداخل بين السياسة والقانون والبيئة المعلوماتية. شركة Amsterdam & Partners، ممثلة بمحاميها Robert Amsterdam، أعلنت عن تقديم شكوى إلى المفوضية الأوروبية بخصوص نشر أداة HRRT (فريق الاستجابة السريعة للتهديدات الهجينة / Hybrid Rapid Response Team) قبل الانتخابات في أرمينيا. هذه الخطوة ترتبط سياسياً ببيئة مشروع “Strong Armenia” وشخصية Samvel Karapetyan، وهو رجل أعمال ذو خلفية مرتبطة بالسوق الروسية. هذا السياق يوضح أن التحرك القانوني هو جزء من صراع سياسي أوسع، وليس إجراءً منفصلاً.
جوهر الشكوى يتمحور حول اتهام الاتحاد الأوروبي بأن نشر HRRT يشكل تدخلاً في العملية الانتخابية وانتهاكاً لمبادئ الحياد والمعايير الديمقراطية. يتم الاستناد إلى عناصر مثل التمويل الأوروبي وتحليل “السرديات” خلال فترة انتخابية، لتقديم الأداة كآلية تأثير سياسي. لكن الوقائع تشير إلى صورة مختلفة: HRRT هو فريق محدود زمنياً، يعمل بناءً على طلب، ويقدم دعماً تقنياً في مجالات مثل الأمن السيبراني وإدارة الأزمات، وليس نظاماً دائماً لمراقبة الحياة السياسية. ما تستغله الشكوى هنا هو حساسية الاتحاد الأوروبي العالية تجاه الشرعية القانونية والالتزام بالإجراءات. هذه “النقطة القوية” تتحول إلى نقطة ضغط، حيث يمكن تحويل أي نقاش تقني إلى مسألة قانونية وأخلاقية تتطلب تبريراً مستمراً.
ما هي الآليات المستخدمة؟
أولاً، يتم رفع مستوى النزاع منذ البداية عبر لغة قانونية مثل “المسؤولية القانونية” و“تجاوز الصلاحيات”، ما ينقل النقاش من تقييم أداة إلى التشكيك في شرعيتها.
ثانياً، يحدث قلب للمنطق الأمني. بدلاً من التركيز على التهديدات (مثل عمليات التأثير أو التضليل)، يتم تقديم الاستجابة لها كالمشكلة بحد ذاتها. الحماية تُعاد صياغتها كضغط سياسي.
ثالثاً، يتم استخدام “التجميع الانتقائي”، حيث تُدمج عناصر منفصلة مثل التمويل، والسياق الانتخابي، وتحليل التهديدات في صورة واحدة توحي بتدخل سياسي واسع.
رابعاً، يتم إدخال إطار “المعايير المزدوجة”، وهو عنصر سريع الانتشار في البيئات التي تتعامل بحذر مع النفوذ الخارجي.
خامساً، يتم تصميم الرسالة بحيث تكون قابلة لإعادة الاستخدام الإعلامي، عبر عبارات يمكن اختصارها وتحويلها بسهولة إلى صيغ أكثر حدة.
ما الذي يميز هذا النموذج؟
هذا النموذج لا يعتمد على الكذب المباشر، بل على إعادة ترتيب الوقائع واستغلال نقاط حساسة في النظام المستهدف. في هذه الحالة، يتم استخدام التزام الاتحاد الأوروبي بالقانون والشرعية كأداة ضغط عليه.
الهدف النهائي ليس حسم نزاع قانوني، بل فرض إطار تفسيري. وإذا تم تثبيت هذا الإطار، فإن أي معلومات لاحقة ستُقرأ ضمنه، بغض النظر عن دقتها.
Wojciech Pokora


