Skip to main content
كيف تعيد السرديات الصينية تشكيل صورة الغرب وبناء جاذبية الصين في الجنوب العالمي
لا تعمل الرسائل الصينية الموجهة إلى دول الجنوب العالمي كنصوص منفصلة أو حملات قصيرة الأمد، بل كمنظومة سردية متكاملة. قوتها لا تكمن في فرض فكرة واحدة، وإنما في قدرتها على دمج المشاعر، والهوية، والطموحات التنموية في قصة شاملة عن النظام الدولي وموقع الدول النامية فيه.
في هذه القصة، يُقدَّم الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة وحلفاؤها، بوصفه مصدراً بنيوياً للضغط وعدم الاستقرار. العلاقات مع الدول الأضعف تُصوَّر باعتبارها علاقات غير متكافئة، محكومة بالهيمنة، والاشتراط السياسي، والتوظيف الانتقائي للقانون الدولي، واستخدام الأمن كأداة نفوذ. في المقابل، تُطرح الصين كخيار بديل، لا بوصفها قوة تسعى إلى فرض نموذجها، بل كشريك يعرض التنمية والاحترام والتحديث دون فرض منظومة قيمية خارجية.
هدف هذا النص ليس استعراض مواد إعلامية بعينها، بل تفكيك النمط المتكرر الكامن خلفها: نزع الشرعية عن الغرب تدريجياً، تطبيع الحضور الصيني، وإعادة تعريف مفاهيم السيادة والتنمية باعتبارها مهمة مشتركة لدول الجنوب.
رسالتان، عملية تأثير واحدة
نادراً ما تعتمد السرديات الصينية على خطاب مباشر أو رسالة واحدة واضحة. غالباً ما تأتي في شكل حزمة سردية. عنصر يثير الشكوك تجاه الغرب ويُضعف الثقة به، وعنصر آخر يقدم الصين كبديل عملي ومحترم. المتلقي لا يتلقى “توجيهات”، بل مجموعة من الإشارات الأخلاقية والتفسيرات الجاهزة التي يُفترض أن يصل من خلالها إلى الاستنتاج بنفسه.
ضمن هذا المنطق، يصبح الغرب مصدراً للمخاطر، بينما تُعرض الصين كفرصة. نجاح هذا الأسلوب يكمن في أن النتيجة النهائية لا تبدو مفروضة، بل ذاتية.
إضعاف المنافس وترويج النموذج
البنية الأساسية لهذا الخطاب تبدأ بتقويض الثقة بالغرب، ثم الانتقال إلى تقديم النموذج الصيني كخيار عقلاني. النقد ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة لإعادة ضبط معايير التنمية والأمن والمكانة الدولية.
تعمل هذه الآلية كقمعٍ تدريجي. تبدأ بمشاعر الغضب، أو الخوف، أو الإحساس بالظلم والتهميش، ثم تتحول إلى مواقف سياسية “مبررة”: مسافة أكبر عن الغرب، قبول أوسع للحضور الصيني، وتسامح متزايد مع نفوذه المؤسسي والاقتصادي والثقافي. الميزة الأساسية هنا أن المتلقي يشعر أنه توصل إلى هذه الخلاصة بنفسه.
“صوت الناس” كأداة مصداقية
عنصر أساسي في هذه السردية هو تقديم الرسالة بوصفها نابعة من الرأي العام. تُستخدم ردود الفعل الشعبية، السخرية، النكات، والمحتوى الرقمي كمدخل لبناء المصداقية، خصوصاً في مجتمعات تتحفظ على الدعاية الرسمية لكنها تثق بما يبدو “تلقائياً”.
هذا الأسلوب يحمي الرسالة من اتهامها بالدعاية، ويوفر دليلاً اجتماعياً، ويسمح بتمرير مواقف سياسية في قالب ترفيهي يخفض منسوب الحذر النقدي. لا تهم دقة النكتة بقدر ما يهم توظيفها كتشخيص للواقع.
الغرب كقوة مهيمنة وأداة استغلال
إحدى أقوى الإطارات السردية هي تصوير الغرب كقوة تختزل الدول في موارد ووظائف. العلاقات الدولية تُعرض كسوق استغلال، حيث تتحول “الأهمية الاستراتيجية” إلى مصدر خطر لا حماية.
هذا الإطار يتقاطع بذكاء مع ذاكرة الاستعمار، وتجارب العقوبات، وعدم تكافؤ العلاقات. الغرب لا يظهر كمنظومة قيم، بل كآلية تدمج الأضعف في نظام يخدم الأقوى. حتى المبادرات المحايدة قد تُفسر كوصاية أو تمهيد للضغط.
القانون والأخلاق كسلاح انتقائي
تعتمد السردية أيضاً على لغة القانون الدولي والمساواة السيادية، لكن بطريقة معكوسة. الغرب يُتهم بتبني القواعد نظرياً وخرقها عملياً، وباستخدام خطاب الشراكة لتحقيق مصالحه. ينتج عن ذلك شعور قوي بالنفاق والازدواجية.
هنا لا يعود الخلاف خلاف وقائع، بل يصبح تشكيكاً في شرعية الفاعل نفسه. وحين تُسقط المصداقية، تفقد التفاصيل أهميتها.
الخوف كأداة سياسية
العاطفة الأكثر “عملية” في هذا البناء هي الخوف، لا بوصفه ذعراً، بل حذراً سياسياً. الرسالة تقول إن الخطر لا يكمن فقط في المواجهة، بل في أن تكون الدولة “مرئية” ومهمة. الاهتمام الغربي يُعاد تعريفه كتهديد محتمل.
هذا يعزز جاذبية الحياد و”الاستقلال الاستراتيجي”، ويمهد الطريق لشريك بديل يعد بالاحترام وعدم التدخل.
التحديث دون التغريب: عرض هوياتي
لا تكتمل عملية نزع الشرعية دون بديل إيجابي. هنا تُطرح فكرة “التحديث دون التغريب”. ليست مجرد طرح تنموي، بل عرض هوياتي يمنح المتلقي إذناً أخلاقياً بأن يكون حديثاً دون تقليد الغرب.
نفسياً، يعزز ذلك الكرامة. سياسياً، يبرر نماذج حكم وسياسات عامة مختلفة. وجيوسياسياً، يشرعن اختيار الصين كشريك “يحترم تعدد المسارات”.
نقل المصداقية عبر أصوات الجنوب
لتجنب الظهور كصوت خارجي، تُضخَّم آراء خبراء ومسؤولين وأكاديميين من الجنوب العالمي. دورهم ليس الإقناع فقط، بل نقل السلطة المعنوية. الفكرة تبدو محلية حتى إن صُممت خارجياً.
تطبيع الحضور الصيني
الرسالة لا تتوقف عند الخطاب. تُبنى بنية طويلة الأمد عبر مؤسسات، منصات حوار، برامج تبادل، تدريب، وشبكات خبراء. الهدف ليس الإقناع فقط، بل الاعتياد. حين يصبح الحضور الصيني طبيعياً، يرتفع سقف التسامح النقدي.
“المنفعة المتبادلة” كمظلة لغوية
مصطلح “رابح–رابح” يُستخدم لتفكيك الأسئلة حول الكلفة، والسيطرة، والمعايير، والتبعات السياسية. النقد يُعاد تأطيره كتحيز أو عرقلة للتنمية.
النتيجة الاستراتيجية
النتيجة ليست تحويل الجنوب العالمي إلى فضاء مؤيد للصين بالكامل، بل إعادة ضبط المعايير: رفع كلفة القرب من الغرب، وخفض كلفة الشراكة مع الصين. هذا التحول في الإطار المرجعي هو المكسب الحقيقي لأي عملية تأثير.

كيف تعيد السرديات الصينية تشكيل صورة الغرب وبناء جاذبية الصين في الجنوب العالمي

لا تعمل الرسائل الصينية الموجهة إلى دول الجنوب العالمي كنصوص منفصلة أو حملات قصيرة الأمد، بل كمنظومة سردية متكاملة. قوتها لا تكمن في فرض فكرة واحدة، وإنما في قدرتها على دمج المشاعر، والهوية، والطموحات التنموية في قصة شاملة عن النظام الدولي وموقع الدول النامية فيه.

في هذه القصة، يُقدَّم الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة وحلفاؤها، بوصفه مصدراً بنيوياً للضغط وعدم الاستقرار. العلاقات مع الدول الأضعف تُصوَّر باعتبارها علاقات غير متكافئة، محكومة بالهيمنة، والاشتراط السياسي، والتوظيف الانتقائي للقانون الدولي، واستخدام الأمن كأداة نفوذ. في المقابل، تُطرح الصين كخيار بديل، لا بوصفها قوة تسعى إلى فرض نموذجها، بل كشريك يعرض التنمية والاحترام والتحديث دون فرض منظومة قيمية خارجية.

هدف هذا النص ليس استعراض مواد إعلامية بعينها، بل تفكيك النمط المتكرر الكامن خلفها: نزع الشرعية عن الغرب تدريجياً، تطبيع الحضور الصيني، وإعادة تعريف مفاهيم السيادة والتنمية باعتبارها مهمة مشتركة لدول الجنوب.

رسالتان، عملية تأثير واحدة

نادراً ما تعتمد السرديات الصينية على خطاب مباشر أو رسالة واحدة واضحة. غالباً ما تأتي في شكل حزمة سردية. عنصر يثير الشكوك تجاه الغرب ويُضعف الثقة به، وعنصر آخر يقدم الصين كبديل عملي ومحترم. المتلقي لا يتلقى “توجيهات”، بل مجموعة من الإشارات الأخلاقية والتفسيرات الجاهزة التي يُفترض أن يصل من خلالها إلى الاستنتاج بنفسه.

ضمن هذا المنطق، يصبح الغرب مصدراً للمخاطر، بينما تُعرض الصين كفرصة. نجاح هذا الأسلوب يكمن في أن النتيجة النهائية لا تبدو مفروضة، بل ذاتية.

إضعاف المنافس وترويج النموذج

البنية الأساسية لهذا الخطاب تبدأ بتقويض الثقة بالغرب، ثم الانتقال إلى تقديم النموذج الصيني كخيار عقلاني. النقد ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة لإعادة ضبط معايير التنمية والأمن والمكانة الدولية.

تعمل هذه الآلية كقمعٍ تدريجي. تبدأ بمشاعر الغضب، أو الخوف، أو الإحساس بالظلم والتهميش، ثم تتحول إلى مواقف سياسية “مبررة”: مسافة أكبر عن الغرب، قبول أوسع للحضور الصيني، وتسامح متزايد مع نفوذه المؤسسي والاقتصادي والثقافي. الميزة الأساسية هنا أن المتلقي يشعر أنه توصل إلى هذه الخلاصة بنفسه.

صوت الناس” كأداة مصداقية

عنصر أساسي في هذه السردية هو تقديم الرسالة بوصفها نابعة من الرأي العام. تُستخدم ردود الفعل الشعبية، السخرية، النكات، والمحتوى الرقمي كمدخل لبناء المصداقية، خصوصاً في مجتمعات تتحفظ على الدعاية الرسمية لكنها تثق بما يبدو “تلقائياً”.

هذا الأسلوب يحمي الرسالة من اتهامها بالدعاية، ويوفر دليلاً اجتماعياً، ويسمح بتمرير مواقف سياسية في قالب ترفيهي يخفض منسوب الحذر النقدي. لا تهم دقة النكتة بقدر ما يهم توظيفها كتشخيص للواقع.

الغرب كقوة مهيمنة وأداة استغلال

إحدى أقوى الإطارات السردية هي تصوير الغرب كقوة تختزل الدول في موارد ووظائف. العلاقات الدولية تُعرض كسوق استغلال، حيث تتحول “الأهمية الاستراتيجية” إلى مصدر خطر لا حماية.

هذا الإطار يتقاطع بذكاء مع ذاكرة الاستعمار، وتجارب العقوبات، وعدم تكافؤ العلاقات. الغرب لا يظهر كمنظومة قيم، بل كآلية تدمج الأضعف في نظام يخدم الأقوى. حتى المبادرات المحايدة قد تُفسر كوصاية أو تمهيد للضغط.

القانون والأخلاق كسلاح انتقائي

تعتمد السردية أيضاً على لغة القانون الدولي والمساواة السيادية، لكن بطريقة معكوسة. الغرب يُتهم بتبني القواعد نظرياً وخرقها عملياً، وباستخدام خطاب الشراكة لتحقيق مصالحه. ينتج عن ذلك شعور قوي بالنفاق والازدواجية.

هنا لا يعود الخلاف خلاف وقائع، بل يصبح تشكيكاً في شرعية الفاعل نفسه. وحين تُسقط المصداقية، تفقد التفاصيل أهميتها.

الخوف كأداة سياسية

العاطفة الأكثر “عملية” في هذا البناء هي الخوف، لا بوصفه ذعراً، بل حذراً سياسياً. الرسالة تقول إن الخطر لا يكمن فقط في المواجهة، بل في أن تكون الدولة “مرئية” ومهمة. الاهتمام الغربي يُعاد تعريفه كتهديد محتمل.

هذا يعزز جاذبية الحياد و”الاستقلال الاستراتيجي”، ويمهد الطريق لشريك بديل يعد بالاحترام وعدم التدخل.

التحديث دون التغريب: عرض هوياتي

لا تكتمل عملية نزع الشرعية دون بديل إيجابي. هنا تُطرح فكرة “التحديث دون التغريب”. ليست مجرد طرح تنموي، بل عرض هوياتي يمنح المتلقي إذناً أخلاقياً بأن يكون حديثاً دون تقليد الغرب.

نفسياً، يعزز ذلك الكرامة. سياسياً، يبرر نماذج حكم وسياسات عامة مختلفة. وجيوسياسياً، يشرعن اختيار الصين كشريك “يحترم تعدد المسارات”.

نقل المصداقية عبر أصوات الجنوب

لتجنب الظهور كصوت خارجي، تُضخَّم آراء خبراء ومسؤولين وأكاديميين من الجنوب العالمي. دورهم ليس الإقناع فقط، بل نقل السلطة المعنوية. الفكرة تبدو محلية حتى إن صُممت خارجياً.

تطبيع الحضور الصيني

الرسالة لا تتوقف عند الخطاب. تُبنى بنية طويلة الأمد عبر مؤسسات، منصات حوار، برامج تبادل، تدريب، وشبكات خبراء. الهدف ليس الإقناع فقط، بل الاعتياد. حين يصبح الحضور الصيني طبيعياً، يرتفع سقف التسامح النقدي.

المنفعة المتبادلة” كمظلة لغوية

مصطلح “رابح–رابح” يُستخدم لتفكيك الأسئلة حول الكلفة، والسيطرة، والمعايير، والتبعات السياسية. النقد يُعاد تأطيره كتحيز أو عرقلة للتنمية.

النتيجة الاستراتيجية

النتيجة ليست تحويل الجنوب العالمي إلى فضاء مؤيد للصين بالكامل، بل إعادة ضبط المعايير: رفع كلفة القرب من الغرب، وخفض كلفة الشراكة مع الصين. هذا التحول في الإطار المرجعي هو المكسب الحقيقي لأي عملية تأثير.


Shaffafiya

روسيا الإمبراطورية والاستعمارية وعدوانها على أوكرانياأخبار

روسيا الإمبراطورية والاستعمارية وعدوانها على أوكرانيا

magdalenaShafafxLBmagdalenaShafafxLB2025-11-06
Inflating the Role: From a Maritime Passage to a Tool in Information Conflict Bab el-Mandab has long remained one of the most important points in global trade routes. However, in recent times, its role has been presented in a clearly exaggerated manner, as evidence of the fragility of the global economic system. This shift in the way reality is portrayed cannot be separated from the growing activity in the field of information operations targeting the region. Reframing Risk: A Designed, Not Spontaneous Narrative In these materials, the issue is not limited to reporting risks related to maritime security. Rather, these risks are being used to construct a broader narrative about the collapse of the global system. This pattern aligns with well-established lines of messaging in Russian media campaigns, which for years have sought to portray globalization as a weak and unsustainable system. The mechanism here is clear: the use of real facts, but linking them to pre-determined conclusions. In this way, analysis is transformed into a tool of influence. Shifting the Evaluation Framework: From Stability to the Logic of Power In the Red Sea context, attacks and disruptions are not presented as threats to stability, but as evidence of the effectiveness of certain actors. This shift serves a broader narrative promoted by media outlets linked to Russia, where power and the ability to disrupt are presented as alternatives to concepts such as stability and cooperation. The result is a redefinition of what is considered “success” in the eyes of the audience. Undermining Trust: Targeting the Image of the West A central element of this discourse is the portrayal of the United States and its allies as actors incapable of controlling the situation. This pattern is systematically repeated across media platforms linked to Russia and aims to weaken trust in existing security structures, particularly in regions that Moscow considers areas of strategic competition. Language of Crisis: A Tool of Psychological Influence The language used in these materials suggests that the crisis is inevitable and that the global system is approaching its end. This approach is not incidental, but part of psychological influence techniques that rely on amplifying risk to generate a sense of uncertainty. At the same time, key factors such as the ability of markets to adapt or the existence of logistical alternatives are ignored, resulting in an incomplete picture of reality. How the Operation Works: Between Analysis and Direction The strength of this narrative lies in the fact that it does not appear as direct propaganda. Instead, it is presented as a logical, data-driven analysis. This method is widely used in Russian information operations, as it allows influence over both elites and the broader public without triggering direct resistance. The audience does not feel that it is being guided, yet in reality it is operating within a framework that has been pre-defined. Conclusion: Bab el-Mandab as a Tool of Influence, Not Proof of Collapse Bab el-Mandab is not the cause of the weakness of the global system, but it has become a tool used in information conflict to portray that system as collapsing. Understanding this distinction is essential, because the risk lies not only in events on the ground, but in the way they are interpreted and presented.
باب المندب كساحة للعمليات الروسية للتأثير: كيف تُبنى سردية “انهيار العولمة”إيرانحماية

باب المندب كساحة للعمليات الروسية للتأثير: كيف تُبنى سردية “انهيار العولمة”

ShaffafiyaShaffafiya2026-04-08
التضليل الروسي بشأن الوضع في سوريا.. محاولة لربط الجهاديين بأوكرانياأخبار

التضليل الروسي بشأن الوضع في سوريا.. محاولة لربط الجهاديين بأوكرانيا

ShaffafiyaShaffafiya2025-11-06