
يُعد مضيق هرمز أحد أهم النقاط الجيوستراتيجية في العالم المعاصر. ولا يقتصر تأثيره على البعد الإقليمي فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، نظراً لارتباط أمن الملاحة في هذه المنطقة بشكل مباشر باستقرار إمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية واستقرار الأسواق العالمية. ولهذا السبب أصبح المضيق موضوعاً متكرراً في النقاشات السياسية والإعلامية، كما تحول في بعض السياقات إلى أداة في الخطابات الدعائية المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية في المنطقة.
في بعض الخطابات الإعلامية الروسية، يتم تقديم مضيق هرمز كرمز لنقطة ضعف في النظام الدولي المعاصر، وخاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة العالمي. وتُستخدم هذه السردية لتصوير أي توتر في المنطقة باعتباره دليلاً على تراجع قدرة القوى الغربية على إدارة الاستقرار الدولي. وفي هذا السياق لا يُعرض المضيق فقط كمعبر بحري استراتيجي، بل كرمز سياسي واقتصادي يُستخدم في بناء روايات أوسع حول مستقبل النظام الدولي.
من السمات اللافتة في هذه الخطابات درجة التعقيد في طريقة بناء الرسائل الإعلامية. فبدلاً من الاعتماد على رواية واحدة متماسكة، يجري تركيب الرسالة من مجموعة من العناصر المتفرقة، مثل أخبار قصيرة عن عمليات عسكرية، وتعليقات سياسية، وبيانات اقتصادية، واقتباسات من وسائل إعلام غربية، إضافة إلى إحصاءات تتعلق بحركة النقل البحري وأسواق الطاقة. وغالباً ما تُعرض هذه العناصر جنباً إلى جنب، بما يشمل معلومات صحيحة وأخرى جزئية أو تفسيرات تحمل طابعاً تخمينياً.
إن الجمع الانتقائي لهذه العناصر في بيئة إعلامية سريعة الإيقاع يخلق لدى المتلقي شعوراً بوجود حالة من الضبابية أو الفوضى المعلوماتية. وفي مثل هذا السياق قد يتلقى الجمهور إشارات متعددة تبدو مستقلة، لكنها تقود إلى استنتاج واحد مفاده أن التوترات في المنطقة قد تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية وأن النظام الدولي يواجه تحديات متزايدة.
وفي العديد من هذه الرسائل الإعلامية يتم تقديم العمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران على أنها “تصعيد غير مبرر” قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الدولي. غير أن هذا الطرح غالباً ما يتجاهل السياق الاستراتيجي الأوسع المرتبط بالمخاوف من تطور البرنامج النووي الإيراني، وتعزيز القدرات الصاروخية، إضافة إلى دور بعض الفاعلين الإقليميين المرتبطين بإيران في النزاعات الدائرة في المنطقة.
وفي المقابل، يتم التركيز على الآثار الاقتصادية المحتملة لأي تصعيد، ولا سيما ما يتعلق بأسعار الطاقة العالمية. ويُعرض مضيق هرمز في هذا السياق كعامل ضغط اقتصادي يمكن أن يؤثر في الأسواق الدولية إذا تعرضت حركة الملاحة فيه لأي اضطراب. كما يجري أحياناً الاستشهاد ببيانات أو تقارير اقتصادية أو تصريحات لمسؤولين في دول غربية بهدف تعزيز الانطباع بوجود مخاوف متزايدة بشأن استقرار أسواق الطاقة.
ولا يقتصر هذا الخطاب على مضيق هرمز وحده، بل يمتد في بعض الأحيان إلى ممرات بحرية أخرى في المنطقة، مثل مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر. ففي بعض المواد الإعلامية يتم الربط بين التوترات في الخليج والتطورات في البحر الأحمر، بما في ذلك الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية خلال السنوات الأخيرة. ويؤدي هذا الربط إلى توسيع إطار النقاش بحيث يبدو وكأن المنطقة بأكملها تواجه أزمة متشابكة في أمن الملاحة البحرية.
ومن العناصر المتكررة في هذه السرديات أيضاً التركيز على القدرات العسكرية غير التقليدية لبعض الفاعلين الإقليميين، مثل الزوارق السريعة أو الطائرات المسيّرة أو الأسلحة منخفضة التكلفة نسبياً. ويهدف هذا النوع من السرد إلى إبراز فكرة “الحرب غير المتكافئة”، أي قدرة وسائل بسيطة نسبياً على التأثير في ممرات بحرية حيوية للاقتصاد العالمي.
ومن اللافت كذلك أن بعض هذه المواد الإعلامية تستند إلى تقارير أو تحليلات صادرة عن وسائل إعلام غربية أو عن خبراء دوليين. ويؤدي هذا الأسلوب إلى منح الرسالة الإعلامية درجة إضافية من المصداقية، إذ يوحي بأن المخاوف المطروحة لا تأتي فقط من مصادر إعلامية روسية، بل يتم تداولها أيضاً في النقاشات الغربية.
وفي السياق نفسه تظهر روسيا في بعض هذه السرديات باعتبارها طرفاً يدعو إلى التهدئة وإلى الحلول الدبلوماسية. وغالباً ما تُعرض تصريحات المسؤولين الروس على أنها تعبير عن موقف يدعو إلى تجنب التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. غير أن هذا الطرح يشكل جزءاً من استراتيجية أوسع في الخطاب الإعلامي الدولي، حيث يجري تقديم بعض القوى كعناصر توازن في مقابل ما يُوصف بسياسات تصعيدية لقوى أخرى.
إن تحليل هذه الخطابات يوضح أن مضيق هرمز لا يُستخدم فقط كموقع جغرافي استراتيجي في النقاشات الإعلامية، بل يتحول أيضاً إلى رمز يُستعمل في بناء روايات أوسع حول الاستقرار العالمي وأمن الطاقة ومستقبل النظام الدولي. ومن خلال الربط بين التوترات العسكرية والأسواق الاقتصادية وحركة الملاحة البحرية، يتم خلق صورة ذهنية توحي بأن أي أزمة في المنطقة قد تحمل تداعيات عالمية واسعة.
وفي هذا السياق يصبح فهم آليات بناء هذه السرديات الإعلامية أمراً مهماً لفهم كيفية تشكل التصورات العامة حول الأزمات الدولية. فالمسألة لا تتعلق فقط بالوقائع الميدانية، بل أيضاً بالطريقة التي تُعرض بها هذه الوقائع في الفضاء الإعلامي العالمي، وكيف يمكن أن تؤثر في إدراك الجمهور لطبيعة المخاطر والتوازنات الدولية.


