Skip to main content
From Airstrikes to Manipulation. Sudanese Gold in Russian and Ethiopian Information Narratives

في أعقاب الغارات الجوية التي استهدفت مناجم الذهب قرب الحدود السودانية المصرية، بدأت منافسة على تحديد الدلالات السياسية لهذه المأساة. فقد انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي تصريحات مفبركة نُسبت إلى شخصيات سودانية ومصرية، واتهم تحالف مرتبط بقوات الدعم السريع شبه العسكرية القاهرة باستغلال موارد السودان، بينما قدمت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية مسؤولية جهة معينة عن الغارات، رغم عدم التحقق منها، باعتبارها حقيقة مؤكدة. ويكشف تحليل المنشورات الصادرة في يونيو وأكتوبر 2026 عن آلية لاستغلال أعمال العنف الفعلية في تعزيز الاتهامات السياسية ونقلها إلى الفضاء الإعلامي الخارجي.

في 12 أكتوبر 2026، ظهرت على صفحات سودانية في فيسبوك تصريحات منسوبة إلى مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور وزعيم حركة تحرير السودان. ووفقاً للبيان المتداول، فإن مناوي أعلن بحزم أنه لن يلتزم الصمت إزاء تصرفات مصر إذا ثبتت مسؤولية الجيش المصري عن الغارات الجوية التي استهدفت مناجم الذهب. غير أن هذا التصريح كان مفبركاً. فقد تحققت منصة «بيم ريبورتس» السودانية من القنوات الرسمية للحاكم وخطاباته ومقابلاته، ولم تجد ما يثبت صدور التصريح عنه. وأعادت نشر البيان المفبرك، من بين صفحات أخرى، صفحات تضم 569 ألفاً و353 ألفاً و284 ألفاً و210 آلاف متابع. وبعد يومين، في 14 أكتوبر، أدلى مناوي بالفعل بتصريحات علنية. فقد التقى السفير المصري ياسر سرور والقنصل المصري في بورتسودان، وطالب بإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام، وشدد على ضرورة حماية المواطنين، وحذر من نشر اتهامات غير موثقة وتأجيج العداء بين السودانيين والمصريين. ووفقاً لصحيفة «سودان تريبيون»، أوضح الحاكم أن اهتمامه بالقضية يعود إلى أن غالبية الضحايا الذين أُبلغ عن سقوطهم في الغارات ينحدرون من دارفور. وقدم الدبلوماسيون المصريون تعازيهم لأسر القتلى، وأعلنوا استعدادهم للتعاون في توضيح ملابسات الحادث. غير أن ذلك لم يشكل اعترافاً علنياً بالمسؤولية عن الهجوم.

أوحى التصريح المفبرك المنسوب إلى مناوي بإمكانية اتخاذه موقفاً أكثر تشدداً تجاه مصر. لكن الحاكم، خلال اجتماعه بالدبلوماسيين المصريين في 14 أكتوبر، طالب بتوضيح ملابسات الغارات الجوية، ودعا في الوقت نفسه إلى وقف الاتهامات المتبادلة ومنع تصاعد التوترات. ولم يتسنَّ حتى الآن تحديد الجهة التي صاغت التصريح المفبرك أو الطرف المسؤول عن نشره. ومع ذلك، يمكن تحديد أسلوب واضح من أساليب التلاعب بالمعلومات، يتمثل في إسناد موقف سياسي إلى شخصية عامة معروفة دون أن يكون لهذا الموقف أساس في تصريحاتها العلنية. ولم تكن هذه، في الواقع، أول حالة من هذا النوع ترتبط بالغارات على عمال مناجم الذهب السودانيين.

الغارات الجوية على المناجم والجدل بشأن المسؤولية

في 10 أكتوبر 2026، نفذت طائرات عسكرية ضربات استهدفت مواقع للتنقيب غير الرسمي عن الذهب في منطقة شمال الوادي، قرب الحدود بين السودان ومصر. ووفقاً لصحيفة «سودان تريبيون»، وصف ثلاثة ناجين هجمات استهدفت مخيمات العمال وآبار التعدين التي كان يوجد فيها أشخاص أثناء الضربات. وأفادت الروايات بأن بعض المنشآت انهارت نتيجة الانفجارات. ونُقل المصابون إلى مرافق طبية قريبة، بينما فر عمال مناجم آخرون إلى المناطق الجبلية والصحراوية المحيطة. واتهم الشهود سلاح الجو المصري بتنفيذ الغارات، كما أفادوا بأن عدد القتلى ربما تجاوز 200 شخص.

غير أن الحصيلة النهائية للضحايا لا تزال غير محددة. فقد أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وإصابة 28 آخرين، بينما أفادت مجموعة «محامو الطوارئ» بسقوط 72 قتيلاً. واستندت التقديرات الأعلى بصورة أساسية إلى شهادات الشهود والمنظمات العاملة في المنطقة. وتمتد التباينات أيضاً إلى تحديد مواقع الضربات. فبعض المصادر تشير إلى مناطق في ولاية البحر الأحمر، بينما تضعها مصادر أخرى بالقرب من مناطق حدودية متنازع عليها أو داخل أراضٍ تسيطر عليها مصر. ويؤدي غياب إحداثيات جغرافية موثقة إلى صعوبة تحديد ما إذا كانت الضربات قد انتهكت أراضي سودانية لا يوجد نزاع بشأن سيادتها.

في 12 أكتوبر، أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ مرحلة جديدة من العمليات ضد التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية. وقدمت المؤسسة العسكرية هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من مكافحة الاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية وحماية السيادة المصرية. غير أن البيان لم يتضمن تأكيداً صريحاً للمسؤولية عن جميع الضربات التي أُبلغ عن وقوعها في 10 أكتوبر، كما لم يقدم نتائج بشأن الضحايا. وبالتوازي مع ذلك، أمر مجلس السيادة السوداني، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادث.

ونتيجة لذلك، نشأ خلاف شمل المسؤولية عن استخدام القوة، والوضع القانوني للحدود، ومدى مشروعية تنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقع التعدين غير الرسمي. وتحمل كل مسألة من هذه المسائل أهمية سياسية أيضاً، نظراً إلى أن مصر لا تزال أحد أهم الشركاء الإقليميين للقوات المسلحة السودانية.

سابقة يونيو: تصريحات مفبركة وضحايا حقيقيون

يستمر النزاع المرتبط بمواقع استخراج الذهب منذ عدة أشهر. ففي 16 يونيو 2026، وقعت غارات جوية سابقة في منطقة جبل العقيدات ومواقع تعدين مجاورة. وأجرى موقع «مدى مصر» الاستقصائي تحقيقاً شمل شهادات عمال المناجم ومقابلات مع ممثلين عن الإدارة المصرية. وأكد مسؤولان للصحفيين تنفيذ عمليات عسكرية ضد مجموعات تستخرج الذهب دون تصاريح في مناطق تعتبرها القاهرة جزءاً من أراضيها. ووفقاً لمصدر طبي نقل عنه الموقع، قُتل 23 شخصاً. وأشارت نتائج التحقيق إلى أن بعض العمال الذين اعتُبروا في البداية مفقودين كانوا قد احتُجزوا من قبل الأجهزة الأمنية المصرية، وهو ما ساهم في تضخيم التقديرات الأولية لعدد الضحايا.

وأثارت غارات يونيو أيضاً موجة من التلاعب بالمعلومات.

في 18 يونيو، تحققت منصة «بيم ريبورتس» من تصريح منسوب إلى الإعلامي المصري المعروف عمرو أديب. ووفقاً للرواية المتداولة، زُعم أن أديب قال إن الجيش المصري قصف عمال المناجم السودانيين بناءً على طلب السلطات في بورتسودان. وتضمن التصريح المزعوم نفسه اتهاماً بأن البرهان حوّل السودان فعلياً إلى محافظة مصرية. ولم تجد عملية التحقق التي أجرتها «بيم ريبورتس» أي دليل على أن الإعلامي أدلى بهذه التصريحات. فلم تُرصد على حساباته الرسمية أو في مواد برنامجه التلفزيوني أو في منشورات أخرى متاحة. وانتشر التصريح المفبرك عبر صفحات على فيسبوك تمتلك أعداداً كبيرة من المتابعين. وكانت دلالته السياسية واضحة؛ إذ جرى ربط اتهام يتعلق بقصف مدنيين بإيحاء مفاده أن السلطات العسكرية السودانية ساهمت بنفسها في وقوع الهجوم من خلال تعاونها مع مصر.

وفي 22 يونيو، رصدت «بيم ريبورتس» تصريحاً مفبركاً آخر، نُسب هذه المرة إلى والي الولاية الشمالية في السودان. ووفقاً للرواية المضللة، زُعم أن الوالي قال إن عمال المناجم الذين قُتلوا في الغارات ليسوا مواطنين سودانيين، واستُخدم مظهرهم ولهجتهم بوصفهما دليلاً مزعوماً على ذلك. وفي هذه الحالة أيضاً، لم تؤكد عملية التحقق صحة التصريح.

استهدفت عمليات التلاعب التي شهدها يونيو جوانب مختلفة من الحدث نفسه. فقد نسبت الأولى مسؤولية مشتركة عن الهجوم إلى السلطات في بورتسودان، بينما شككت الثانية في جنسية الضحايا. واستغلت العمليتان تقارير حقيقية عن أعمال العنف، وأضافتا إليها شهادات غير صحيحة منسوبة إلى شخصيات عامة. وتكرر الأسلوب ذاته في أكتوبر؛ إذ استهدف التصريح المفبرك المنسوب إلى مناوي التأثير في تفسير غارة جوية جديدة قبل أن يعلن السياسي المعني موقفه الرسمي.

تحالف تأسيس: الرواية نفسها عقب غارتين مختلفتين

يكشف تحليل مقارن لبيانات تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» (TASIS) عن بُعد إضافي للصراع المعلوماتي. والتحالف هو ائتلاف سياسي عسكري مرتبط بقوات الدعم السريع (RSF)، التي تخوض حرباً ضد القوات المسلحة السودانية (SAF) منذ أبريل 2023.

في 17 يونيو 2026، اتهم أحمد تقد لسان، المتحدث باسم تحالف تأسيس، مصر بمهاجمة عمال المناجم السودانيين، وصوّر إجراءات القاهرة باعتبارها جزءاً من نمط أوسع لاستغلال الموارد الطبيعية السودانية. وتضمن البيان اتهامات تتعلق بتدفق الذهب إلى مصر، واستغلال الأراضي، والوصول إلى الموارد المائية، والتعاون بين المؤسسات الأمنية المصرية والقوات المسلحة السودانية. وصُوّرت السلطات العسكرية السودانية باعتبارها منظومة سياسية تتيح لمصر تحقيق مصالحها.

وفي 11 أكتوبر، عقب الغارة الجوية الأخيرة، عاد تحالف تأسيس إلى حجج تكاد تكون مطابقة لتلك التي استخدمها سابقاً. فقد اتهم سلاح الجو المصري بقتل أكثر من 200 شخص، واتهم مصر بانتهاك السيادة السودانية، وربط مجدداً إجراءات القاهرة بالمصالح الاقتصادية والتبعية السياسية للسلطات السودانية.

في كلا البيانين، يصوّر تحالف تأسيس مصر على أنها دولة تستغل الحرب للاستحواذ على الموارد الطبيعية السودانية، ويقدّم القوات المسلحة السودانية باعتبارها حليفاً يساعد مصر على تحقيق هذه المصالح. كما يحمل مسؤولية مقتل عمال المناجم لكل من الجيش المصري والسلطات السودانية المتعاونة معه. ويخدم هذا التفسير المصالح السياسية لتحالف تأسيس المرتبط بقوات الدعم السريع، التي تخوض حرباً ضد قوات البرهان. وفي بيان 11 أكتوبر، نسب التحالف مقتل أكثر من 200 شخص إلى سلاح الجو المصري، رغم عدم التحقق بصورة مستقلة من الجهة المسؤولة عن الهجوم أو من عدد الضحايا. وظهرت هذه الاتهامات لاحقاً في منشورات وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (ENA). وقدمت الوكالة مسؤولية مصر باعتبارها حقيقة ثابتة، وربطت الحادث باتهامات تتعلق بتدخل القاهرة في الشؤون السودانية والتنافس على موارد مياه النيل. وبهذه الطريقة، استُخدمت اتهامات غير موثقة صادرة عن أحد أطراف النزاع لتبرير رواية أوسع بشأن السياسة الإقليمية المصرية.

إثيوبيا: من اتهامات بشن غارة جوية إلى رواية عن الهيمنة الإقليمية

في 11 أكتوبر، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية (ENA)، وهي وكالة الأنباء الرسمية في إثيوبيا، مادة بعنوان «Egypt Kills over 200 Sudanese Miners» («مصر تقتل أكثر من 200 من عمال المناجم السودانيين»). ونسب العنوان والجملة الأولى من المقال بصورة قاطعة مقتل أكثر من 200 عامل مناجم سوداني إلى سلاح الجو المصري. غير أن التقرير الأصلي المنشور في «سودان تريبيون» استند إلى شهادات ثلاثة ناجين اتهموا مصر بتنفيذ الغارة الجوية. ولم تكن الجهة المسؤولة عن الهجوم أو حصيلة القتلى قد خضعت للتحقق. وتجاهلت وكالة الأنباء الإثيوبية هذه التحفظات، وقدمت الاتهامات باعتبارها حقائق مؤكدة. كما نقل المقال موقف تحالف السودان التأسيسي (TASIS)، الذي اتهم مصر بانتهاك السيادة السودانية والسعي إلى الاستحواذ على الموارد الطبيعية للبلاد والتعاون مع القوات المسلحة السودانية (SAF) على حساب السكان المحليين.

جاء هذا المنشور منسجماً مع خطاب كانت الوكالة الإثيوبية تطوره قبل وقوع الغارة الجوية. ففي 9 أكتوبر، نشرت الوكالة مقالاً بعنوان «Egypt’s Sabotage and Plots Against Ethiopia and the Wider Horn of Africa» («أعمال التخريب والمؤامرات المصرية ضد إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي الأوسع»)، اتهمت فيه مصر بزعزعة استقرار دول المنطقة والحد من النفوذ الإثيوبي. وفي اليوم التالي، نُشرت مقابلة مع عبد الشكور عبد الصمد، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرة التكامل الإقليمي، الذي جادل بأن القاهرة لديها مصلحة في إطالة أمد الحرب السودانية. ووفقاً لرأيه، فإن السودان الذي أضعفه النزاع لا يستغل موارده المائية بصورة كاملة، وهو ما يعود بالفائدة على مصر. وربط الباحث هذا الوضع بسد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، الذي يمكن أن يسهم تشغيله في تطوير الزراعة السودانية وزيادة استهلاك السودان من مياه النيل.

في 12 أكتوبر، استخدمت وكالة الأنباء الإثيوبية التصريح نفسه في مقال بعنوان «Egypt Exacerbating Sudan’s Civil War with Recent Massacre of Over 200 Civilians» («مصر تفاقم الحرب الأهلية في السودان بالمجزرة الأخيرة التي أودت بحياة أكثر من 200 مدني»)، وربطت الاتهامات السابقة المتعلقة بالسياسة المائية المصرية باتهامات قصف المناجم. كما نقلت موقف التحالف المدني السوداني «صمود»، الذي حمّل الجيش المصري مسؤولية الغارات الجوية، وانتقد السلطات المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية، وطالب بإجراء تحقيق مستقل.

خلال أربعة أيام، طورت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية رواية بشأن التدخل المصري في شؤون الدول المجاورة، مستغلة التقارير المتعلقة بالغارة الجوية على عمال المناجم السودانيين. وتمثل التلاعب في تقديم المسؤولية غير المؤكدة عن الهجوم وعدد الضحايا غير المتحقق منه باعتبارهما حقيقتين ثابتتين، ثم ربط المأساة، وفقاً لهذا التصوير، باتهامات تتعلق بتعمد إطالة أمد الحرب في السودان. واستُخدم الحادث لتعزيز الرواية الإثيوبية المتعلقة بالسياسة الإقليمية المصرية، بما يشمل النزاع على موارد مياه النيل، والتعاون العسكري بين القاهرة وكل من السودان والصومال وإريتريا، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.

شبكات النفوذ الخارجية تستغل النزاعات القائمة

لا يُعد استغلال التوترات المصرية السودانية في أنشطة التلاعب بالمعلومات أمراً غير مسبوق. ففي 4 يونيو، نشرت «بيم ريبورتس» تحليلاً لحسابات تنشط في الفضاء المعلوماتي الإثيوبي وتنشر مواد مضللة تتعلق بالحرب في السودان. وشملت إحدى الحالات الموثقة إعادة استخدام تسجيل مصور لجنود مصريين احتجزتهم قوات الدعم السريع في قاعدة مروي العسكرية في أبريل 2023. وقد أُعيد نشر التسجيل في عام 2026 باعتباره دليلاً حديثاً مزعوماً على مشاركة مصر في الحرب إلى جانب القوات المسلحة السودانية.

كما وثق الباحثون نشاط صفحة «Ethiopia Now» («إثيوبيا الآن»)، التي تشير المعلومات المتاحة إلى أنها تُدار من إثيوبيا والمملكة العربية السعودية. وكانت الصفحة تنشر بانتظام تصريحات قديمة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، وتعرضها بطريقة توحي بأنها حديثة. وتناولت المنشورات أيضاً قضايا مثل مثلث حلايب وشلاتين، والدعم العسكري المصري للقوات المسلحة السودانية، والنزاع حول سد النهضة. وجُمعت مواد تتعلق بأحداث وفترات زمنية مختلفة ضمن تفسير يصوّر مصر باعتبارها طرفاً مهماً في الحرب السودانية والتنافس الإقليمي الأوسع. ووصفت «بيم ريبورتس» أيضاً انتشار بيان مفبرك نُسب إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وكان يهدف إلى تقويض الاتهامات المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية لتنفيذ عمليات مسلحة ضد السودان.

تُظهر النتائج السابقة استخدام أساليب محددة للتلاعب بالمعلومات، من بينها تقديم المواد الأرشيفية باعتبارها حديثة، وتزوير بيانات المؤسسات، وربط أحداث مختلفة ضمن رواية سياسية واحدة. ولم يثبت أن هذه الحسابات شاركت في نشر اتهامات أكتوبر. ومع ذلك، تشير الآليات الموثقة إلى أن النزاع بين مصر والسودان وإثيوبيا كان موضع استغلال إعلامي قبل وقوع الغارة الجوية الأخيرة.

مقتل سائقين مصريين: العنف يتجاوز حدوداً أخرى

في 12 أكتوبر، بعد يومين من الغارات الجوية على المناجم، قُتل مواطنان مصريان في جنوب الخرطوم، وأُصيب مصري ثالث. وفتح المهاجم النار على سائقي شاحنات بالقرب من سوق محلي. وأكدت وزارة الخارجية المصرية وقوع الحادث، وتواصل السفير المصري مع السلطات السودانية. وأعلن الجانب السوداني توقيف مشتبه به.

ووفقاً لنتائج تحقيق «مدى مصر»، المستندة إلى مقابلات مع ممثلين عن الأجهزة الأمنية السودانية وشاهد على الحادث، كان المهاجم يرتدي زياً عسكرياً يحمل شارات تشكيلات تتعاون مع القوات المسلحة السودانية. وأبلغ مصدر مشارك في التحقيق الموقع بأن الموقوف أوضح خلال الاستجواب الأولي أنه نفذ الهجوم انتقاماً لشقيقه، الذي زُعم أنه قُتل أثناء قصف مناجم الذهب. وأدى مقتل المواطنين المصريين إلى تعميق الأزمة في العلاقات بين البلدين، وزيادة خطر تعميم الاتهامات المتبادلة على مجتمعات بأكملها. كما شكل الانتماء المزعوم للمهاجم إلى تشكيل يتعاون مع الجيش مشكلة إضافية للسلطات في بورتسودان، لأنه أثار احتمال تحميل القيادة العسكرية السودانية أيضاً مسؤولية أفعاله.

ولهذا السبب، يكتسب موقف مني مناوي الصادر في 14 أكتوبر أهمية إضافية. فقد طالب حاكم دارفور بالكشف عن الحقائق، وعارض في الوقت نفسه الاتهامات المعممة والخطابات التي قد تعمق العداء بين المجتمعين.

القاهرة وبورتسودان تسعيان إلى احتواء التصعيد

بعد مقتل السائقين المصريين وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الغارات الجوية، بدأت السلطات المصرية والسودانية محادثات بشأن أمن الحدود. وفي 14 أكتوبر، أفاد موقع «مدى مصر» بأن البلدين يدرسان إنشاء آلية تعاون جديدة تشمل تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية، وإجراءات الإبلاغ عن الحوادث، والمراقبة المشتركة للمناطق الحدودية. ووفقاً لمصادر الموقع، يدرس الجانب المصري أيضاً إمكانية إقامة وجود أمني مشترك مع الجيش السوداني. غير أن ذلك لا يعني التوصل إلى اتفاق أو تحديد النطاق النهائي للأنشطة المستقبلية.

في 14 أكتوبر، نشر موقع «RT Arabic» الروسي الحكومي تقريراً موسعاً عن اجتماع مني مناوي مع الدبلوماسيين المصريين في بورتسودان. وركزت التغطية التحريرية على الدعوات إلى منع التصعيد، وانتظار نتائج التحقيق، والحفاظ على العلاقات بين البلدين. كما نقلت تصريحات الممثلين المصريين بشأن توضيح ملابسات الغارات الجوية والتعازي التي قُدمت لأسر الضحايا. وخُصص حيز كبير لدعوة مناوي إلى وقف نشر المعلومات غير الموثقة، وتأجيج العداء بين السودانيين والمصريين، وتحميل مجتمعات أو تشكيلات مسلحة بأكملها المسؤولية.

يحمل الطابع التصالحي الذي اعتمده موقع «RT Arabic» الروسي سياقاً جيوسياسياً مهماً. فموسكو تحتفظ بعلاقات وثيقة مع مصر، وتعمل في الوقت نفسه على توسيع تعاونها مع السلطات العسكرية السودانية. وفي سبتمبر 2026، التقى فلاديمير بوتين بالرئيس عبد الفتاح السيسي خلال قمة مجموعة بريكس في نيودلهي. وتناولت المحادثات، من بين موضوعات أخرى، تطوير التعاون الاقتصادي، وبناء محطة الضبعة للطاقة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية في محيط قناة السويس. وتسعى روسيا أيضاً إلى إنشاء منشأة للدعم اللوجستي لقواتها البحرية في بورتسودان، وهو ما يتطلب الحفاظ على العلاقات مع السلطات المرتبطة بالفريق أول البرهان. وقد يؤدي نشوب نزاع بين القاهرة وبورتسودان إلى تعقيد مساعي روسيا لتحقيق مصالحها في منطقة البحر الأحمر.

وتتيح منشورات «RT Arabic» الصادرة بين 12 و14 أكتوبر تتبع الطريقة التي عرض بها الموقع الأزمة المتصاعدة. فبعد التقارير الأولية عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا نتيجة الغارات الجوية، نشرت هيئة التحرير الموقف المصري بشأن مكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب، ثم حولت تركيزها إلى التحركات الدبلوماسية. وفي 13 أكتوبر، نقلت تصريحات أمجد فريد، مستشار البرهان، الذي حذر من استغلال المأساة لإثارة العداء تجاه مصر. وأشار فريد إلى أن الاستقطاب المتزايد قد يهدف إلى تقويض الدعم المصري للقوات المسلحة السودانية في حربها ضد قوات الدعم السريع. وفي اليوم التالي، أبرز «RT Arabic» دعوة مماثلة من مني مناوي إلى ضبط النفس وتوضيح ملابسات الغارات الجوية.

يتوافق هذا الاختيار للتصريحات مع مصلحة موسكو في الحفاظ على التعاون بين مصر والقيادة العسكرية السودانية. ومن اللافت بصورة خاصة التباين بين هذا النهج والتغطية التي قدمتها وكالة الأنباء الإثيوبية، والتي استخدمت الغارات الجوية لتعزيز الاتهامات بالتدخل المصري والهيمنة الإقليمية. أما الموقع الروسي، فقد عمل على إبراز أصوات مسؤولين سودانيين يعارضون تصعيد النزاع مع القاهرة. وتشير المنشورات المتاحة إلى انتقاء للمعلومات يتوافق مع المصالح الاستراتيجية الروسية، وإن كانت لا تسمح بتحديد ما إذا كان ذلك ناجماً عن توجيهات صادرة من مستويات أعلى إلى هيئة التحرير.

الذهب السوداني في المنافسة الاقتصادية والمعلوماتية الدولية

يُعد الذهب أحد أهم مصادر تمويل الحرب المستمرة في السودان منذ عام 2023. ووفقاً لنتائج أبحاث «تشاتام هاوس» (Chatham House)، فإن عائدات استخراج هذا المورد والاتجار به تدعم هياكل اقتصادية مرتبطة بكل من القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع شبه العسكرية (RSF). ويُصدَّر جزء كبير من الذهب عبر شبكات من الوسطاء، بصورة رئيسية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكن أيضاً إلى مصر. ويؤدي التعدين غير الرسمي والتهريب إلى صعوبة تحديد الحجم الفعلي للإنتاج والتدفقات المالية. وفي الوقت نفسه، يظل العمل في المناجم البدائية مصدر الرزق الأساسي لآلاف السودانيين الذين حرمتهم الحرب من فرص العمل الأخرى. وعلى الحدود السودانية المصرية، تتداخل المصالح الاقتصادية مع المخاوف الأمنية والنزاعات الإقليمية غير المحسومة. وتسعى مصر إلى السيطرة على أنشطة التعدين والتهريب، بينما تحاول السلطات العسكرية السودانية الحفاظ على إيرادات قطاع الذهب وتعاونها الاستراتيجي مع القاهرة. وتضع الغارات الجوية على المناجم هذا التعاون تحت الضغط، ولا سيما عندما يكون مدنيون سودانيون من بين الضحايا. ويستغل معارضو البرهان هذه الأحداث لاتهام سلطاته بالخضوع للمصالح المصرية. وهكذا يصبح النزاع بشأن سلامة عمال المناجم جزءاً من التنافس على المصداقية السياسية للقيادة العسكرية السودانية.

وتمنح الطبيعة الدولية لتجارة الذهب السوداني النزاع بُعداً أوروبياً أيضاً. ففي 13 يوليو 2026، شدد مجلس الاتحاد الأوروبي العقوبات المفروضة على السودان، لتشمل شراء الذهب القادم من البلاد واستيراده ونقله، فضلاً عن توريد المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين. وتهدف القيود إلى عرقلة تمويل الحرب، غير أن فعاليتها تعتمد إلى حد كبير على التحقق من منشأ الذهب، الذي قد يصل إلى الأسواق الدولية عبر دول ثالثة. وتعني أهمية مصر والإمارات العربية المتحدة في تجارة الذهب الإقليمية أن الإجراءات المتخذة على الحدود السودانية تحمل تداعيات تتجاوز العلاقات الثنائية.

وينعكس التنافس على السيطرة على استخراج الذهب أيضاً في الأنشطة المعلوماتية. فعائدات تجارة الذهب، والمصالح الاقتصادية الخارجية، والتعاون العسكري، توفر حججاً تُستخدم لاتهام أطراف النزاع باستغلال السودان. وقد كشفت دراسات سابقة للبيئة المعلوماتية السودانية عن شبكات تستخدم حسابات وهمية، ومواد أرشيفية تُعرض باعتبارها حديثة، وتوزيعاً منسقاً للرسائل الإعلامية. وأصبحت غارات أكتوبر الجوية موضوعاً إضافياً يُستغل في هذا التنافس. وانتقلت الاتهامات الموجهة إلى مصر والقوات المسلحة السودانية إلى وسائل إعلام أجنبية، حيث رُبطت بنزاعات إقليمية أوسع. وتتيح النتائج المتوافرة حتى الآن تحديد حالات ملموسة من التلاعب بالمعلومات ونقل الروايات بين البيئات الإعلامية، لكنها لا تؤكد وجود عملية واحدة منسقة تشمل جميع الأنشطة الموصوفة.

التقييم التحليلي: المصالح الخارجية والتلاعب بالمعلومات

أصبحت الغارات الجوية على مناجم الذهب السودانية موضوعاً لأنشطة التأثير المعلوماتي التي مارستها دولتان تختلف مصالحهما في المنطقة. فقد استخدمت وكالة الأنباء الإثيوبية (ENA) المأساة لتعزيز الاتهامات بالتدخل المصري في الشؤون السودانية، ووضعتها في سياق التنافس بين أديس أبابا والقاهرة على مياه النيل والنفوذ في القرن الأفريقي. أما موقع «RT Arabic» الروسي، فقد ركز على الجهود الدبلوماسية والدعوات إلى خفض التصعيد. وتسعى موسكو إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من مصر والسلطات العسكرية السودانية. ويحمل التعاون بين هذين الطرفين أهمية للمصالح الاقتصادية الروسية وخطط موسكو للحصول على إمكانية الوصول إلى البنية التحتية للموانئ على البحر الأحمر.

وكشفت المقارنة بين منشورات وكالة الأنباء الإثيوبية والتقارير الأصلية لصحيفة «سودان تريبيون» عن تلاعب تمثل في تقديم اتهامات غير موثقة باعتبارها حقائق مؤكدة. وفي حالة «RT Arabic»، يظهر أسلوب مختلف. فقد أبرز الموقع الروسي، خلال تغطيته لأحداث 13 و14 أكتوبر، بصورة انتقائية المبررات المصرية للعمليات الحدودية وتصريحات السياسيين السودانيين الذين حذروا من تصعيد النزاع. وساعد اختيار هذه التصريحات على دعم استمرار التعاون بين القاهرة والسلطات في بورتسودان، بما يتوافق مع المصالح الاستراتيجية الروسية. وفي كلتا الحالتين، اتسقت طريقة عرض الأحداث مع المصالح السياسية للدول التي تنتمي إليها وسائل الإعلام المعنية.


طارق المنصور