
منح قرار إدارة دونالد ترامب بالسماح بتجارة الديزل الروسي للكرملين حجة استمدت مصداقيتها من أفعال واشنطن نفسها. وقد استغلت وسائل الإعلام الروسية هذا القرار لتقديم موسكو كشريك لا غنى عنه للولايات المتحدة، بالتوازي مع ترويج اتهامات لأوكرانيا بتعطيل مفاوضات السلام. ويظهر رصد وسائل الإعلام العربية في الفترة من 8 إلى 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026 كيف أخذت الرسائل الإعلامية الصادرة عن “RT Arabic” ووكالة “تاس” طريقها إلى النشرات الإخبارية الإقليمية، حيث ظهر الموقف الروسي من الحرب إلى جانب تقارير عن التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة والمقترحات الدبلوماسية بشأن إيران. ويتيح هذا التجاور لموسكو استغلال الأحداث الدولية الحقيقية لتعزيز مصداقية تفسيرها الخاص للحرب ضد أوكرانيا.
في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن دونالد ترامب عن اتفاق مع فلاديمير بوتين بشأن توريد الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية. وفي اليوم نفسه، سمحت وزارة الخزانة الأمريكية ببعض المعاملات المحددة المتعلقة بالديزل الروسي، مما أدى إلى تخفيف جزء من العقوبات المرتبطة بالحرب ضد أوكرانيا بشكل مؤقت. وجاء القرار خلال أزمة وقود نجمت، من بين أمور أخرى، عن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
في الوقت نفسه، بدأت المصادر الروسية بنشر تصريحات لمسؤولين في الكرملين بشأن مفاوضات السلام. ووفقاً لمستشار بوتين، يوري أوشاكوف، فإن تصرفات أوكرانيا خلال انتخابات مجلس الدوما الروسي في أيلول/سبتمبر هي التي جعلت الاستئناف الفوري للمحادثات أمراً مستحيلاً. ونُشرت هذه الرسالة عبر “RT Arabic”، ثم ظهرت في المواقع الإخبارية العربية خارج روسيا. بالتوازي مع ذلك، نشرت وسائل الإعلام في الخليج العربي معلومات عن مقترحات دبلوماسية روسية تتعلق بإيران.
من بيانات الكرملين إلى المواقع الإخبارية العربية
يمكن تتبع مسار انتشار تصريحات يوري أوشاكوف بعد المكالمة بين بوتين وترامب من خلال المنشورات المتتالية. ففي 9 تشرين الأول/أكتوبر عند الساعة 23:17 بتوقيت غرينتش، نشرت “RT Arabic” مادة بعنوان: “بوتين لترامب: محاولات كييف تعطيل انتخابات الدوما حالت دون الاستئناف الفوري للمفاوضات”.
واستعرضت المادة موقف السلطات الروسية، الذي مفاده أن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة خلال الاقتراع في أيلول/سبتمبر قضت على إمكانية الاستئناف السريع للمحادثات الثلاثية بمشاركة روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. واستخدم أوشاكوف مصطلح “نظام كييف”، وصوّر الأفعال الأوكرانية على أنها محاولة لإحباط العملية السياسية. كما تبين من روايته أن ترامب أحيط علماً بموقف بوتين ووعد بنقل المعلومات المناسبة إلى الوفد الأوكراني الموجود في ميامي.
أدى تفسير أوشاكوف إلى نقل مسؤولية المأزق الدبلوماسي من موسكو إلى كييف؛ حيث قُدمت الضربات الأوكرانية التي نُفذت أثناء انتخابات الدوما على أنها العقبة أمام استئناف المفاوضات. واستطاع الكرملين بذلك تبرير عدم احراز تقدم في المحادثات، مع الاستمرار في تأكيد جاهزيته للتوصل إلى حل سلمي للنزاع.
في 10 تشرين الأول/أكتوبر، ظهرت مادة تحمل العنوان نفسه تقريباً في صحيفة “الدستور” المصرية. وتظهر المقارنة بين المادتين تطابقاً شبه حرفي في المحتوى، بما في ذلك ترتيب التصريحات، وهيكلية الخبر، والصياغات الواردة. ومع ذلك، لم تشر “الدستور” إلى “RT Arabic” كمصدر للمادة. ولا يزال من غير المعلوم ما إذا كان النص قد أُخذ مباشرة من الموقع الروسي أم عبر قناة توزيع وسيطة.
وبالتوازي مع ذلك، نشر موقع “بيروت تايم” اللبناني النص نفسه، مع الإشارة صراحة إلى “RT Arabic” كمصدر. وفي هذه الحالة، يبدو مصدر الرسالة واضحاً. يعمل الموقع كمجمع للأخبار، ويشير في منشورات أخرى إلى السحب الآلي للمواد من مواقع خارجية، بما في ذلك وسائل الإعلام الروسية. وتُظهر هذه الحالة الموثقة آلية عمل قناة إعادة البث، لكنها لا تؤكد مشاركة هيئة التحرير اللبنانية عن قناعة في ترويج الرواية الروسية.
كما نشرت صحيفة “الأيام” اليمنية الصادرة من عدن مواد معزوة إلى “روسيا اليوم”. ففي 7 أيلول/سبتمبر 2026، أوردت تصريحات لديمتري بيسكوف بشأن إمكانية استئناف مفاوضات السلام مع أوكرانيا. وفي 12 أيلول/سبتمبر، نشرت مادة حول اتهامات للمدربين العسكريين الأوكرانيين بدعم الجماعات المسلحة في مالي والسودان. وفي كلا الحالتين، أُشير إلى “روسيا اليوم” كمصدر. وتوثق هذه المنشورات وجوداً سابقاً للرسائل الروسية في الصحافة اليمنية، لكنها لا تسمح بتحديد ما إذا كان قد تم سحب المواد تلقائياً.
إن مجرد إعادة النشر على موقع محلي لا يُعد دليلاً على وصول واسع أو تأثير ملموس للرسالة الروسية على الجمهور، بل يؤكد فقط أن محتوى وسائل الإعلام الرسمية الروسية قد أتيح خارج قنواتها الخاصة.
لكن المادة التي نشرتها صحيفة “الخليج” الإماراتية في 10 تشرين الأول/أكتوبر تقدم مشهداً مختلفاً. فقد استعانت المادة المتعلقة بالمحادثات الهاتفية التي استمرت 90 دقيقة بين ترامب وبوتين بمعلومات من وكالة “تاس” الروسية وتصريحات لمسؤولين في الكرملين. ومنذ العنوان، أُبرز الرئيسان كرجال دولة يبحثون عن حلول للنزاعات في عالم تثقله الأزمات المتلاحقة. وتضمن الخبر مزاعم روسية تحمّل كييف مسؤولية عدم استئناف محادثات السلام، فضلاً عن وصف العمليات العسكرية الأوكرانية بـ “الهجمات الإرهابية”. ورغم أن المقال نسب هذه التصريحات إلى المسؤولين الروس، إلا أن بناءه العام أبرز النشاط الدبلوماسي لموسكو واستعداد بوتين للحوار.
وجَمَعَت صحيفة “الخليج” بين الاتهامات الروسية لكييف والمعلومات المتعلقة بمقترحات بوتين بشأن البرنامج النبوي الإيراني. وبذلك يتلقى القارئ تقريراً ينسب فيه الكرملين مسؤولية المأزق السلمي إلى أوكرانيا، بينما يقدم في الوقت نفسه مقترحاته الخاصة لحل الأزمة في الشرق الأوسط. ويسهم هذا الطرح في تسليط الضوء على الدور الدبلوماسي لموسكو، وإن كان لا يثبت أن هيئة التحرير الإماراتية كانت تروج للموقف الروسي عن قصد.
أزمة الطاقة تفتح مساحة إعلامية جديدة لروسيا
في 9 تشرين الأول/أكتوبر، أصدر مكتب التحكم في الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) الرخصة العامة رقم 135، والتي تسمح حتى 7 نيسان/أبريل 2027 بالمعاملات المتعلقة ببيع وشحن وتفريغ واستيراد الديزل الروسي، وذلك في حدود نطاق نظام العقوبات المحدد. لا تعني هذه الرخصة الإلغاء الكامل للعقوبات المترتبة على روسيا، كما أنها لا تؤكد التسليم الفعلي لكميات الوقود المعلنة، لكنها تفتح إمكانية قانونية لإجراء تجارة محددة.
وأعلن ترامب أن روسيا ستورد أكثر من 300 ألف طن متري من الديزل في الشحنة الأولى، تليها 500 ألف طن متري في تشرين الثاني/نوفمبر، ثم مليون طن متري في المرحلة التالية، وما يصل إلى ثلاثة ملايين طن إضافية بناءً على قدرات المصافي الروسية. وجاء هذا الإعلان في ظل ارتفاع تكاليف الوقود في الولايات المتحدة، قبل أسابيع قليلة من انتخابات الكونغرس.
واستغلت وسائل الإعلام الرسمية الروسية هذا الحدث لإبراز الفوائد الناجمة عن التعاون بين موسكو وواشنطن. ونقلت “RT Arabic” تصريحات لكيريل ديميترييف حول مستقبل العلاقات الاقتصادية الروسية-الأمريكية، بالإضافة إلى تصريحات لترامب وجه فيها الشكر لبوتين على اتفاق الوقود. وعكست الرسالة الروسية صورة لموسكو كشريك قادر على الحد من مشاكل الطاقة في الولايات المتحدة.
ولم تعتمد جميع وسائل الإعلام العربية هذا النمط من التفسير. ففي تقاريرها الصادرة في 10 تشرين الأول/أكتوبر، فصلت شبكة “الجزيرة” القيود الاقتصادية للاتفاق، ملفتة الانتباه إلى ضآلة حجم الإمدادات المعلنة مقارنة بالطلب العالمي، بالإضافة إلى المشاكل التي تواجه المصافي الروسية. كما عرضت موقف فولوديمير زيلينسكي، الذي اعتبر تخفيف العقوبات خطوة تسهم في مواصلة تمويل الحرب الروسية.
كما يتقاطع قرار واشنطن مع النقاش الجاري حول أمن الطاقة في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، وهو الموضوع الذي تفاقم بسبب الصراع المحتدم حول إيران. ونتيجة لذلك، تستطيع وسائل الإعلام الروسية تقديم التعاون مع موسكو كاستجابة لمشاكل اقتصادية حقيقية، وليس مجرد مطلب سياسي.
العرض الروسي للوساطة في الصراع حول إيران
عقب المكالمة بين ترامب وبوتين، سلطت وسائل الإعلام الروسية الضوء على مقترحات موسكو بشأن البرنامج النووي الإيراني. ووفقاً لتقارير وكالة “تاس”، يشار إلى أن بوتين جدد استعداد موسكو لاستلام ยูเรเนียม (اليورانيوم) الإيراني المخصب، وهو ما قُدم كعنصر محتمل للاتفاق بين واشنطن وتهران. وأكد يوري أوشاكوف أن إمكانيات الحل الدبلوماسي للصراع لم تستنفد بعد. كما يُعتقد أن الرئيس الروسي نقل موقف الطرف الإيراني إلى ترامب مباشرة.
وردت هذه المعلومات، من بين أمور أخرى، في المادة المذكورة بصحيفة “الخليج”. وهكذا، جمع مقال واحد بين الاتهامات الروسية لأوكرانيا ومقترحات موسكو لحل الصراع حول إيران. وتستغل روسيا علاقاتها مع تهران لتقديم نفسها كمحاور تحتاجه واشنطن أيضاً في قضايا لا ترتبط مباشرة بالحرب في أوكرانيا. ويسمح المقترح المتعلق باليورانيوم الإيراني لموسكو بإبراز دورها في محادثات أمن الشرق الأوسط.
ولم يتبين ما إذا كان المقترح الروسي قد قرّب التوصل إلى اتفاق بشأن إيران، إلا أنه أُدرج في التغطيات العربية للمكالمة بين ترامب وبوتين إلى جانب القضية الأوكرانية وإمدادات الوقود.
انتقال الروايات الروسية وحدود النتائج
كشفت المواد التي خضعت للرصد عن طريقين لنقل الرسائل الروسية إلى التداول الإعلامي الإقليمي:
- إعادة النشر المباشر: إعادة طباعة المواد الصادرة عن “RT Arabic”.
- الصياغة التحريرية المحلية: إعداد الصحف المحلية لمقالاتها الخاصة باستخدام مصادر روسية، وفي مقدمتها وكالة “تاس”.
في الحالة الأولى، يمكن تتبع تكرار المحتوى الأصلي؛ وفي الحالة الثانية، يتضح أسلوب اختيار التصريحات والمعلومات الصادرة عن مسؤولي موسكو وتضمينها.
توثق المواد المشروحة انتقال الرسائل الروسية، لكنها لا تثبت وجود عملية FIMI (التلاعب بالمعلومات والتداخل الأجنبي) منسقة. إذ لم تُحدد أي روابط عملياتية بين هيئات التحرير، كما لم تُكتشف شبكات للحسابات غير الحقيقية تعمل على تضخيم هذه المواد. وقد تكون إعادة النشر العلني لمواد “RT Arabic” والاعتماد على برقيات “تاس” ناتجة عن ممارسات تحريرية اعتيادية. وتقتصر النتائج على المنشورات المحددة، وليس على البيئة الإعلامية العربية ككل.
وفي حالة صحيفة “الدستور”، طابق المحتوى ما نشرته “RT Arabic”، لكنه لم يشر إلى المصدر الروسي. وبالتالي، لم يتلق القارئ للصحيفة المصرية معلومات واضحة عن مصدر المقال القادم من وسيلة إعلام رسمية روسية. وعلى الرغم من أن هذا لا يقطع بنيات هيئة التحرير، إلا أنه يوضح كيف يمكن أن تختفي المعلومات الخاصة بالمصدر الأصلي أثناء عمليات التوزيع اللاحقة.
التقييم التحليلي
تتمثل الآلية الأساسية التي تم التعرف عليها خلال عملية الرصد في استغلال القرارات السياسية الفعلية لتعزيز التفسير الروسي للأحداث الدولية. إذ إن موافقة إدارة ترامب على معاملات محددة بشأن الديزل الروسي تؤكد استعداد واشنطن لتعاون اقتصادي محدود مع موسكو رغم الحرب المستمرة. وتستغل وسائل الإعلام الروسية هذه الحقيقة كحجة لصالح الجدوى السياسية والاقتصادية لروسيا. وفي الوقت نفسه، تنشر موقف الكرملين الذي يحمّل أوكرانيا مسؤولية مأزق مفاوضات السلام. وينشأ عن ذلك احتمال انتقال مصداقية الأخبار المتعلقة بالأفعال الحقيقية للولايات المتحدة إلى الادعاءات السياسية للسلطات الروسية، والتي لا تجد في تلك القرارات أي تأكيد يستند إليها.
بالنسبة للكرملين، يُعد هذا أسلوباً مفيداً للغاية لإدارة التواصل في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA). فالصراع حول إيران وأمن إمدادات الطاقة يمسّان المصالح السياسية والاقتصادية للمنطقة بشكل مباشر. ولذلك، فإن المعلومات المتعلقة بالمشاركة الروسية في حل هذه المشاكل قد تجذب انتباه المتابعين غير المهتمين بشكل يومي بمسار الحرب في أوكرانيا. وبذلك تكتسب موسكو القدرة على تقديم سياساتها من منظور التعاون مع واشنطن والنشاط الدبلوماسي المعلن، مع تنحية المسؤولية عن العدوان ضد أوكرانيا إلى الهامش.
وسوف تكون النتيجة الأكثر خطورة لهذه الآلية هي الفصل التدريجي بين التقييم السياسي لروسيا كدولة معتدية وصورتها كشريك مفيد في قضايا الأمن والاقتصاد. إذ يمكن للإعلام الروسي استغلال القرارات الفعلية للدول الأخرى كحجج لصالح تطبيع العلاقات مع موسكو، ثم دمج هذه الرسالة بالاتهامات الموجهة ضد أوكرانيا.
ومع ذلك، تظل فعالية هذا أسلوب غير مؤكدة. فعمليات الرصد حتى الآن توثق قنوات التوزيع ومحتوى المنشورات، لكنها لا تؤكد تغيراً في اتجاهات الجمهور أو وجود عملية FIMI منسقة. وسوف يكون المعيار الحاسم للتقييم المستقبلي هو تحديد ما إذا كانت التفسيرات الروسية ستبدأ في العمل بشكل مستقل ضمن تصريحات المعلقين والسياسيين وهيئات التحرير العربية، دون الحاجة للرجوع المباشر إلى المصادر الروسية.
فاطمة الحسن


